عمر الكندي
في الحادي عشر من أكتوبر، تستحضر سلطنة عُمان ذكرى ميلاد حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- وهي مناسبة تتجاوز الاحتفاء بتاريخ ميلاد قائد، لتفتح نافذة على مسيرة وطن يمضي في صياغة مستقبله، مستندًا إلى إرث تاريخي راسخ، ورؤية تستشرف تحولات المنطقة والعالم.
ومسيرة الدول لا تُقاس بما تحققه في لحظة بعينها، وإنما بقدرتها على تحويل الاستقرار إلى تنمية، والإمكانات إلى فرص، والطموحات إلى نتائج ملموسة في حياة الإنسان. ومن هذا المنطلق، تكتسب هذه المناسبة معناها الوطني، بوصفها فرصة للتأمل في مسار النهضة العُمانية المتجددة، وما تحمله المرحلة الراهنة من أولويات واستحقاقات للمستقبل.
ومنذ تولي جلالة السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم في يناير 2020، دخلت عُمان مرحلة جديدة من العمل الوطني، ارتكزت على مواصلة البناء المؤسسي، وتعزيز كفاءة الإدارة الحكومية، وإعادة ترتيب الأولويات الاقتصادية والمالية، مع الحفاظ على ثوابت الدولة وهويتها ونهجها المتوازن في علاقاتها الإقليمية والدولية.
وقد جاءت رؤية عُمان 2040 إطارًا استراتيجيًا لهذه المرحلة، بما تتضمنه من أولويات تتصل بالتنويع الاقتصادي، والاستدامة المالية، وتطوير التعليم، وتعزيز البحث العلمي والابتكار، ورفع كفاءة المؤسسات، وتحسين جودة الحياة. وهي رؤية لا تقتصر أهميتها على تحديد الأهداف، بل تمتد إلى بناء مسار تنموي يستجيب للتحولات المتسارعة ويمنح الأجيال القادمة فرصًا أوسع للمشاركة في صناعة المستقبل.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية العمل المؤسسي بوصفه ركيزة لاستدامة التنمية؛ فالدولة الحديثة لا تعتمد على المبادرات المنفردة فحسب، وإنما على منظومة متكاملة من التشريعات والسياسات والأجهزة القادرة على تحويل الخطط إلى برامج قابلة للتنفيذ والقياس، ومراجعة النتائج وتطوير الأداء بصورة مستمرة.
ويمثل التنويع الاقتصادي أحد أبرز الملفات الاستراتيجية في مسيرة عُمان الحالية، في ظل الحاجة إلى توسيع القاعدة الإنتاجية، وتعزيز مساهمة القطاعات غير النفطية، واستقطاب الاستثمارات النوعية، وتمكين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، وتهيئة بيئة أعمال قادرة على المنافسة إقليميًا ودوليًا.
وتكتسب هذه الأولويات أهمية مضاعفة في عالم تتغير فيه أنماط الاستثمار والتجارة والتكنولوجيا بوتيرة متسارعة؛ فالمنافسة لم تعد قائمة على الموارد الطبيعية وحدها، بل أصبحت مرتبطة بقدرة الدول على تطوير رأس المال البشري، وتبني الحلول التقنية، وتحسين الإنتاجية، وتوفير بيئة تشريعية واضحة ومحفزة للأعمال.
وتملك عُمان مقومات يمكن البناء عليها في هذا المسار، من موقعها الجغرافي الاستراتيجي، إلى موانئها ومناطقها الاقتصادية، وما توفره من فرص في قطاعات السياحة والصناعة والخدمات اللوجستية والطاقة المتجددة والتقنيات الحديثة. غير أن القيمة الحقيقية لهذه المقومات تتجلى في مدى قدرتها على توليد فرص عمل مستدامة، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، وزيادة القيمة المضافة داخل الاقتصاد الوطني. وهنا تبرز أهمية استمرار التكامل بين السياسات الحكومية والمبادرات الاستثمارية، بما يحقق التوازن بين النمو الاقتصادي والاستدامة المالية والمنافع الاجتماعية.
ولا تكتمل النهضة بمؤشرات الاقتصاد وحدها، مهما بلغت أهميتها؛ فجوهر التنمية يبقى في الإنسان، وفي قدرته على التعلم والعمل والإبداع والمشاركة في بناء مجتمعه. ومن هذا المنطلق، تحتل ملفات التعليم والتأهيل والتشغيل وتطوير الخدمات العامة مكانة أساسية في مستقبل السلطنة؛ فالشباب العُماني يمثل طاقة وطنية قادرة على قيادة التحولات المقبلة، متى ما توافرت له فرص التأهيل النوعي، وبيئة محفزة للمبادرة والابتكار، ومسارات مهنية تتناسب مع متطلبات الاقتصاد الجديد.
كما أن التنمية المتوازنة بين المحافظات تظل عنصرًا مهمًا في ترسيخ الاستقرار الاجتماعي وتوسيع دائرة الاستفادة من الفرص. فكل محافظة تمتلك مقوماتها وخصوصيتها، ويمكن أن تشكل رافدًا اقتصاديًا وتنمويًا إذا ما جرى توظيف إمكاناتها وفق خطط مدروسة تربط الموارد المحلية باحتياجات السوق. وفي هذا الإطار، فإن نجاح الرؤية الوطنية لا يُقاس بحجم المشروعات المعلنة فقط، بل بقدرتها على إحداث أثر ملموس ومستدام في حياة المواطنين، وتعزيز الثقة بقدرة المؤسسات على الإنجاز والاستجابة للتطلعات.
وعلى الصعيد الخارجي، تواصل سلطنة عُمان حضورها مستندة إلى نهج يقوم على الحوار، واحترام سيادة الدول، وتغليب الحلول السياسية والدبلوماسية في معالجة الأزمات. وتكتسب هذه السياسة أهمية خاصة في منطقة تتشابك فيها المصالح والتحديات، وتحتاج إلى مساحات مستمرة للتفاهم وخفض التوتر. وتعكس المكانة الإقليمية للدول قدرتها على الجمع بين حماية مصالحها الوطنية والإسهام في تهيئة بيئة أكثر استقرارًا، وهو ما يجعل السياسة الخارجية المتوازنة رافدًا مهمًا للتنمية، وجسرًا لتعزيز العلاقات الاقتصادية والتجارية والاستثمارية مع مختلف الشركاء.
وفي ذكرى ميلاد السلطان هيثم بن طارق، تتجدد مناسبة وطنية لاستحضار ما تحقق، والتأمل فيما ينتظر عُمان من فرص وتحديات؛ فالمستقبل الذي ترسمه رؤية "عُمان 2040" لا تصنعه الخطط وحدها، بل يحتاج إلى عمل متواصل، ومؤسسات فاعلة، وقطاع خاص مبادر، ومجتمع يؤمن بأن التنمية مسؤولية مشتركة.
وإذا كانت لكل مرحلة من مسيرة الدول متطلباتها، فإن المرحلة الراهنة تضع أمام عُمان استحقاقًا أساسيًا يتمثل في تحويل ما تمتلكه من مقومات وإمكانات إلى منجزات أكثر اتساعًا واستدامة، تعزز تنافسية الاقتصاد، وتفتح آفاقًا جديدة أمام الشباب، وتحفظ للأجيال المقبلة حقها في مستقبل مزدهر.
حفظ الله جلالة السلطان المعظم، وأدام على سلطنة عُمان نعمة الأمن والاستقرار، ومضى بها نحو مزيد من التقدم والازدهار، لتظل مسيرة النهضة المتجددة مشروع وطن تتعاقب عليه الأجيال، وتتجدد معه الآمال والطموحات.
