د. مرتضى بن جمعة الخائط
في كل مؤسسة موظفون أمضوا سنوات طويلة في العمل، تراكمت لديهم معرفة لا تظهر في الوصف الوظيفي، ولا يمكن اختصارها في شهادة أو دورة تدريبية، موظفون يعرفون تفاصيل العمل وطرق التعامل مع التحديات واحتياجات المستفيدين، وما الذي نجح سابقًا وما الذي لم ينجح، ويمتلكون خبرات تكونت من الممارسات اليومية.
لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: ماذا يحدث لهذه الخبرة عندما ينتقل الموظف أو يقترب من نهاية مساره الوظيفي (التقاعد)؟
من واقع العمل، أرى أن الأهم ليس عدد سنوات الخبرة التي يمتلكها الموظف، وإنما مقدار ما استطاعت المؤسسة أن تستفيد منه خلال تلك السنوات، وما الذي سيبقى منها بعد مغادرته. فالموظف قد يغادر، لكن المعرفة التي اكتسبها خلال سنوات عمله يفترض ألا تغادر معه.
وهنا يكمن الفرق بين أن تمتلك المؤسسة موظفين ذوي خبرة، وبين أن تمتلك خبرة مؤسسية؛ فالأولى ترتبط بالأفراد، أما الثانية فتتحول إلى معرفة وممارسات يمكن أن تنتقل من جيل إلى آخر.
ومن خلال متابعة واقع العمل، أجد أن بعض المعرفة الأكثر قيمة داخل المؤسسات لا تكون مكتوبة أصلًا؛ فهي موجودة في تجربة الموظف، وفي قدرته على التعامل مع موقف أو تحدٍ معين، وفي تفاصيل تعلمها بالممارسة، وفي فهمه للسياق الذي لا توفره الأدلة والإجراءات وحدها.
وهنا، في تقديري، لا تكمن المشكلة في فقدان الموظف وإنما في فقدان ما كان يعرفه دون أن ننجح في نقله.
لذلك فإنَّ انتقال الموظف أو تقاعده ينبغي ألا يُنظر إليه باعتباره نهاية علاقة وظيفية فقط، وإنما فرصة لاختبار قدرة المؤسسة على الحفاظ على المعرفة واستمرارها.
ويمكن أن تبدأ المؤسسات بخطوة عملية تتمثل في تحديد الوظائف والخبرات المهمة، وإعداد «خريطة للخبرة المؤسسية» توضح أين توجد المعرفة المهمة، ومن يمتلكها، وما مدى اعتماد العمل على أشخاص محددين، وهل توجد كوادر أخرى قادرة على تولي هذه المسؤوليات.
ثم تأتي المرحلة الأهم: وهي تحويل الخبرة من معرفة فردية إلى معرفة مشتركة، من خلال الإرشاد المهني والتدريب الداخلي، ونقل الخبرة بين الأجيال، وتوثيق الحالات والممارسات الناجحة، وإشراك أصحاب الخبرة في إعداد الموظفين الجدد والصف الثاني.
ولعلَّ من الجيد هنا إعادة النظر في المسار الوظيفي. فليس بالضرورة أن تكون القيمة المهنية للموظف الخبير مرتبطة فقط بالترقية إلى منصب إداري. حيث يمكن أن يكون هناك مسار مهني للخبير المتخصص، والمرشد المهني، والمدرب الداخلي، ومستشار المعرفة؛ بحيث تستفيد المؤسسة من خبرته، ويحصل الموظف في الوقت نفسه على تقدير مهني يتناسب مع القيمة التي يقدمها.
كما أن دور التدريب يمكن أن يتطور في هذا الاتجاه. فالتدريب لا ينبغي أن يركز فقط على اكتساب مهارات جديدة، بل يمكن أن يصبح وسيلة لنقل المعرفة الموجودة داخل المؤسسة إلى الموظفين الذين سيقودون العمل مستقبلًا. وهنا تلتقي خبرة الموظف مع مؤسسات التدريب والجهات التعليمية والمهنية لصناعة منظومة أكثر تكاملًا بين المعرفة والخبرة والمهارة.
أما التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، فيمكن أن يضيفا بعدًا جديدًا لهذه العملية. فالمؤسسة تستطيع بناء مستودعات معرفية تحفظ الإجراءات والممارسات والدروس المستفادة، وتتيح الوصول إليها بصورة أسرع، مع مراعاة الحوكمة والخصوصية وأمن المعلومات. وبذلك تصبح التقنية أداة لحفظ ذاكرة المؤسسة، لا مجرد وسيلة لأتمتة الإجراءات.
ومن الأفكار العملية التي يمكن أن تستخدمها المؤسسات، دون الحاجة إلى إنشاء منظومة مستقلة، «مؤشر استدامة الخبرة المؤسسية» كأداة داخلية تساعد الإدارة على معرفة مدى قدرة المؤسسة على الحفاظ على المعرفة المهمة واستمرارها.
ويمكن أن يجيب المؤشر عن أربعة أسئلة بسيطة: هل توجد بدائل جاهزة للوظائف الحساسة؟ هل المعرفة المهمة موثقة وقابلة للوصول؟ هل توجد برامج فعلية لنقل الخبرة؟ وهل يستطيع الصف الثاني تولي المسؤوليات عند الحاجة؟
وتكمن قيمة هذا المؤشر في أنه ينقل المؤسسة من رد الفعل إلى الاستعداد؛ فيكشف مبكرًا مواطن الضعف، ويقلل مخاطر فقدان المعرفة، ويدعم التخطيط للتعاقب الوظيفي، ويرفع جاهزية الموظفين، ويساعد الإدارة على توجيه الاستثمار في التدريب والتطوير نحو الاحتياجات الفعلية.
كما يمكن لهذا التوجه أن يحسن تجربة الموظف نفسه. فالموظف الجديد سيجد من يختصر عليه سنوات من التعلم، والموظف الخبير سيشعر بأن خبرته محل تقدير وأن أثرها مستمر، والمؤسسة ستستفيد من تقليل الاعتماد على الأشخاص في الأعمال المهمة. وهنا تتحول الخبرة من رصيد فردي إلى قيمة مشتركة يستفيد منها الجميع.
وفي سلطنة عُمان، يتزايد الاهتمام ببناء القدرات الوطنية، ورفع الإنتاجية، وتطوير المهارات، وتعزيز الأداء المؤسسي والتحول الرقمي. ومن هنا فإن الحفاظ على الخبرة المتراكمة داخل المؤسسات وتحويلها إلى معرفة قابلة للانتقال يمكن أن يكون جزءًا من الاستثمار في رأس المال البشري، خاصة مع دخول أجيال جديدة إلى سوق العمل وتغير طبيعة المهارات المطلوبة.
وهنا تظهر أهمية التكامل بين إدارة الموارد البشرية والتدريب والتطوير والتخطيط المؤسسي والتحول الرقمي. فاستدامة الخبرة ليست مسؤولية إدارة واحدة، وإنما مسؤولية مشتركة تبدأ من التخطيط للقوى العاملة، وتمتد إلى التطوير والتعاقب الوظيفي وإدارة المعرفة وقياس الأثر.
وقد يكون السؤال الذي نحتاج إلى طرحه اليوم أكثر عمقًا من: كم موظفًا لدينا؟ وكم سنة خبرة يمتلكون؟
السؤال هو: ماذا فعلنا بهذه الخبرات؟ وماذا سيبقى منها للمؤسسة وللاقتصاد وللأجيال القادمة؟
فقد نستطيع تعويض الموظف، لكن ليس من السهل تعويض الخبرة التي غادرت معه إذا لم تتحول قبل ذلك إلى معرفة مؤسسية.
وفي عُمان، حيث نعمل على بناء اقتصاد أكثر تنوعًا، وتعزيز الإنتاجية، وتنمية المهارات الوطنية، فإن المحافظة على الخبرة المتراكمة وتحويلها إلى معرفة قابلة للانتقال يمكن أن تكون أحد أشكال الاستثمار الحقيقي في رأس المال البشري.
فالخبرة التي تتراكم عبر سنوات العمل ليست ملكًا للموظف وحده، كما أنها ليست عبئًا على المؤسسة؛ إنها قيمة يمكن أن تنتقل من جيل إلى جيل.
وحين ننجح في تحويل سنوات الخبرة إلى معرفة، والمعرفة إلى ممارسة، والممارسة إلى أثر، فإننا لا نحافظ على ما بنته مؤسساتنا فقط، بل نضيف إليه ونهيئه لمن سيأتي بعدنا.
وربما يكون السؤال الأهم في المرحلة المقبلة ليس: كم سنة عمل لدينا؟ بل كم قيمة استطعنا أن نصنعها من تلك السنوات؟
