د. حمير بن ناصر المحروقي **
تُمثِّل النزاهة الوظيفية إحدى الركائز الأساسية لبناء المؤسسات الفاعلة، وتعزيز الثقة في أدائها، وضمان الاستخدام الأمثل للموارد. فالنزاهة لا تقتصر على الالتزام بالقوانين واللوائح المنظمة للعمل، بل تمتد لتشمل منظومة متكاملة من القيم والضوابط المهنية التي توجه سلوك الموظف، وتعزز شعوره بالأمانة والمسؤولية تجاه الوظيفة التي يشغلها والمال العام الذي يتولى المحافظة عليه.
ومن هذا المنطلق، تبرُز أهمية الجهود التوعوية التي تستهدف ترسيخ ثقافة النزاهة في المجتمع الوظيفي؛ باعتبارها أحد المسارات الوقائية التي تسهم في الحد من الممارسات المخالفة، وتعزز الالتزام، وتدعم كفاءة الأداء المؤسسي. وفي هذا الإطار، يأتي إصدار جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة كتاب «المال العام والوظيفة العامة: الأجوبة الشرعية في النزاهة الوظيفية»، بوصفه إضافة معرفية وتوعوية تسعى إلى تعزيز الوعي بأهمية النزاهة، وتوضيح المرتكزات الشرعية المرتبطة بأداء الوظيفة العامة وصيانة المال العام.
ويُجسِّد الكتاب أهمية النزاهة الوظيفية من منظور يجمع بين القيم الشرعية ومتطلبات الممارسة المهنية، بما يساعد على ترسيخ القناعة بأن الوظيفة العامة ليست مجرد مجموعة من الاختصاصات والمهام الإدارية، وإنما أمانة ومسؤولية تقتضي الإخلاص في الأداء، والعدل في التعامل، والمحافظة على الموارد، والالتزام بالمصلحة العامة.

وتتجلى أهمية الكتاب في تنوع الموضوعات التي يتناولها، واتساعها لتشمل جوانب متعددة من الحياة الوظيفية، بدءًا من المبادئ الأساسية لحماية المال العام، وصولًا إلى السلوك المهني، والعلاقات المؤسسية، وتعزيز الكفاءة والإنتاجية. ويقدم الكتاب تصورًا متكاملًا لمجالات النزاهة الوظيفية، من خلال موضوعات تتصل بحرمة المال العام، والرقابة الذاتية، والكسب الحلال، والوظيفة بوصفها أمانة، والنزاهة، ووقت العمل، والرشوة، وإساءة استخدام أدوات العمل، والتعدي على المال العام، والأخلاق الوظيفية، والمحافظة على أسرار الوظيفة.
كما يتناول الكتاب موضوعات ترتبط بالسلوك المؤسسي، من بينها: سوء استغلال السلطة، والشفاعة والمحسوبية، والشائعات، والعدالة الوظيفية، وحقوق الموظف وواجباته. وتكتسب هذه الموضوعات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباطها بالممارسات اليومية داخل بيئة العمل، وما قد يترتب عليها من آثار في العدالة وتكافؤ الفرص، وجودة القرارات، ومستوى الثقة بالمؤسسات.
ولا تقف مضامين الكتاب عند حدود بيان السلوكيات التي ينبغي تجنبها، بل تمتد إلى الجوانب الإيجابية التي تسهم في بناء بيئة عمل أكثر كفاءة ونزاهة. ويتضح ذلك من تناوله موضوعات مثل تعزيز الأداء الوظيفي، والدافعية نحو الكفاءة الوظيفية، وأهمية التعاون ودوره في تعزيز الأداء المؤسسي، وبيئة العمل الإيجابية، والمبادرة، وبناء الكفاءات والقدرات الوظيفية وتمكينها، وتعزيز الولاء الوظيفي والانتماء المؤسسي.
ويبرز هذا التنوع أن النزاهة ليست مفهومًا منفصلًا عن جودة الأداء، وإنما ترتبط ارتباطًا وثيقًا بكفاءة استخدام الموارد، واحترام وقت العمل، والالتزام بالمسؤوليات، وتطوير القدرات، وتعزيز التعاون بين العاملين. فالمؤسسة التي تسود فيها قيم الأمانة والعدالة والمساءلة تكون أكثر قدرة على توجيه مواردها نحو تحقيق أهدافها، وتوفير بيئة عمل داعمة للإنتاجية والابتكار.
ومن الجوانب المهمة التي يسلط عليها الكتاب الضوء مسؤولية الفرد في حماية المال العام، وهي مسؤولية لا تقتصر على تجنب الاعتداء المباشر على الأموال والممتلكات العامة، بل تشمل أيضًا الحرص على استخدامها فيما خصصت له، وترشيد الإنفاق، والمحافظة على أدوات العمل، واستثمار الوقت الوظيفي بكفاءة. فالمحافظة على المال العام تبدأ من السلوك اليومي للموظف، ومن إدراكه أن الموارد التي يستخدمها هي ملك للمجتمع، وأن حسن إدارتها يمثل أحد مظاهر الأمانة الوظيفية.
وفي هذا السياق، تبرز الرقابة الذاتية بوصفها قيمة محورية في منظومة النزاهة؛ إذ تعزز قدرة الموظف على الالتزام بواجباته ومراجعة سلوكه انطلاقًا من قناعة داخلية بالمسؤولية، وليس استجابة للرقابة الخارجية وحدها. وكلما ترسخت هذه القناعة، أصبح الالتزام أكثر استدامة، وازدادت قدرة المؤسسة على بناء ثقافة مهنية تقوم على المسؤولية والشفافية واحترام الأنظمة.
ويؤكد تناول الكتاب موضوعات مثل الرشوة وسوء استغلال السلطة والمحسوبية غير المشروعة أهمية توضيح الحدود الفاصلة بين السلوك المقبول والممارسات التي تخل بمبادئ العدالة والنزاهة. كما أن الاهتمام بالمحافظة على أسرار الوظيفة، واحترام حقوق الموظف وواجباته، وتعزيز العدالة الوظيفية، يسهم في ترسيخ بيئة مؤسسية متوازنة تحمي الحقوق، وتحد من التجاوزات، وتدعم الثقة المتبادلة بين الموظفين ومؤسساتهم.
وتنسجم هذه المضامين مع الدور الذي يضطلع به جهاز الرقابة المالية والإدارية للدولة في تعزيز النزاهة وحماية المال العام، من خلال التكامل بين العمل الرقابي والجهود التوعوية والوقائية. فالتوعية تمثل استثمارًا في بناء المعرفة والوعي بالمسؤوليات والواجبات، وتساعد على تحويل المفاهيم المجردة إلى ممارسات عملية يمكن ملاحظتها في الالتزام بالأنظمة، وحسن استخدام الموارد، واحترام قواعد العمل، وتجنب تضارب المصالح والممارسات غير المشروعة.
ومن هنا، تكتسب الإصدارات التوعوية أهمية تتجاوز تقديم المعلومات إلى الإسهام في تشكيل الوعي المؤسسي، ولا سيما عندما تتناول موضوعات ترتبط مباشرة بواقع الموظفين وتحدياتهم اليومية. ويتيح الكتاب مجالًا للاستفادة من مضامينه في البرامج التدريبية والتثقيفية، واللقاءات التعريفية، والأنشطة الإعلامية، بما يعزز وصول رسائله إلى مختلف الفئات الوظيفية والمجتمعية. كما أن نشر ثقافة النزاهة لا يتحقق بجهود جهة واحدة، وإنما يتطلب تكامل الأدوار بين المؤسسات الحكومية والتعليمية والإعلامية والمجتمع، من خلال ترسيخ قيم الأمانة والمسؤولية، وتعزيز الوعي بأهمية المحافظة على المال العام، وتشجيع الممارسات الإيجابية التي تدعم الشفافية والعدالة. وتزداد فاعلية هذه الجهود عندما ترتبط بممارسات مؤسسية واضحة، وقدوة قيادية حسنة، وإجراءات عادلة، ومساءلة تضمن الالتزام بالواجبات الوظيفية.
إنَّ القيمة الحقيقية لكتاب «المال العام والوظيفة العامة: الأجوبة الشرعية في النزاهة الوظيفية» تكمن في قدرته على الإسهام في الربط بين المعرفة والقناعة والسلوك، من خلال تناول موضوعات تمس جوهر المسؤولية الوظيفية، وتؤكد أن النزاهة ليست شعارًا يُرفع، بل ممارسة يومية تتجسد في القرارات والتصرفات وطريقة التعامل مع الموارد والحقوق والواجبات.
وفي المحصلة، فإن ترسيخ النزاهة الوظيفية يمثل مسارًا مستمرًا يتطلب التوعية والتأصيل والتطبيق، ويستند إلى قناعة بأن حماية المال العام مسؤولية مشتركة، وأن كفاءة المؤسسات لا تقاس بإنجاز المهام فحسب، بل كذلك بمدى الالتزام بالقيم التي تحكم أداءها. ومن هذا المنطلق، يشكل الكتاب رافدًا توعويًا يدعم بناء ثقافة مؤسسية أكثر وعيًا ومسؤولية، ويعزز الانتقال من معرفة قيم النزاهة إلى ممارستها، بما يخدم المصلحة العامة ويدعم مسيرة التنمية المستدامة.
** مدير دائرة التوعية والنزاهة المؤسسية
