هند الحمدانية
كُلَّمَا حَارَبْتُ مِنْ أَجْلِكِ أَحْبَبْتُكِ أَكْثَرْ
أَيُّ تُرْبٍ غَيْرَ هَذَا التُّرْبِ مِنْ مِسْكٍ وَعَنْبَرْ
أَيُّ أُفْقٍ غَيْرَ هَذَا الأُفْقِ فِي الدُّنْيَا مُعَطَّرْ
قالها الشاعر الفلسطيني عبد الكريم الكرمي "زيتونة فلسطين"، ولم يكن يدري وهو يكتب حب الأرض، كم جيلا سيأتي بعده ليحمل الحب نفسه والوجع نفسه، ثم يصورها لنا ملهم المُقاومة الشاعر معين بسيسو في المدينة المحاصرة:
البحر يحكي للنجوم حكاية الوطن السجين
والليل كالشحّاذ يطرق بالدموع وبالأنين
أبواب غزة وهي مُغلقة على الشعب الحزين
وكأنَّ القصيدة كانت تنتظر زمنًا أشد ظلمًا وقسوة لتكتمل صورتها؛ فأبواب غزة مغلقة ونوافذها موصدة، ومعابرها تضيق بالحياة، وشعبها الجائع الحزين، يفتش بين الركام عن رغيف ودواء وأشلاء لأحبة لم يمنحهم الموت نعمة الوداع.
ولعلَّ أشد ما في الحصار أن يشعر الإنسان أنَّ العالم كله يتسع إلّا المكان الذي يعيش فيه، وأن تكون له في الجغرافيا أوطان شقيقة، وفي اللغة ملايين الإخوة، ثم لا يجد في ساعة الجوع والخوف والاستغاثة حدودا مفتوحة لنجدته.
مرَّ السابع من أكتوبر هذا العام، وأكملت غزة 3 سنوات منذ ذلك اليوم الذي غيَّر وجه المنطقة، وأعاد القضية الفلسطينية إلى قلب العالم، ثم أعقبته حرب إسرائيلية مدمرة، تركت من الموت والخراب ما تعجز الأرقام عن وصفه. غير أنَّ مأساة فلسطين لم تبدأ في السابع من أكتوبر 2023 كما أنها لم تنته بعده، فمن نكبة 1948 إلى احتلال عام 1967، ومن الحروب والانتفاضات إلى الحصار والاستيطان والتهجير، تتبدل أسماء الأحداث ويبقى الفلسطيني المناضل يتطلع إلى حقه المشروع في الأرض والعيش بكرامة.
والآن وبعد 3 أعوام من طوفان الأقصى، وبعد عقود طويلة من الصراع، يحق لنا أن نتساءل: هل ما زالت الكلمات قادرة على وصف ما جرى؟!
لقد استهلكت مفردات القتل والجوع والنزوح والدمار، حتى باتت اللغة نفسها تبدو عاجزة أمام اتساع المأساة، لكن الأكثر إيلاماً أن الإنسان قد يعتاد سماع الكلمات ونشرات الأخبار؛ فالموت الذي كان يهز العالم في نشراته الأولى، أصبح يتكرر على الشاشات حتى فقد شيئًا من قدرته على إيقاظ الضمير، وربما هنا تكمن مأساة أخرى لا تقل خطورة عن الحرب، وهو أن يطول الظلم حتى يعتاده الذين يشاهدونه.
ومع ذلك، ما زال الإنسان الفلسطيني يُبهرنا بصموده رغم كل ما حدث له، كيف يستطيع إنسان أن ينتزع منه البيت والأمان والأحبة، ثم يستيقظ في الصباح التالي ليبحث عن ماء؟ كيف تحمل أم طفلا جديدا بعدما دفنت أخاه؟ وكيف يُواصل معلم التدريس في خيمة بللها المطر، ويتعلم شاب لغة جديدة، وتحكي جدة لأحفادها عن قرية لم يروها؟
كأنَّ الحرب أرادت أن تجعل الموت الحدث الوحيد في غزة، لكن الفلسطيني يصر على أن تقع أحداث أخرى جديدة وسعيدة، درس وولادة وكوب شاي وحكاية وضحكة طفل وزغرودة فرح، قد تبدو هذه التفاصيل ضئيلة جدًا أمام الطائرات والدبابات والخراب وقوى الشر، لكنها في الحقيقة تحمل سر هذا الشعب؛ فالفلسطيني لا يُقاوِم الموت وحده، بل يُقاوِم أن يصبح الموت التعريف الوحيد لحياته.
وربما ظلمنا الفلسطيني مرة أخرى حين طالبناه أن يكون بطلًا ومثاليًا طوال الوقت، نريده صابرًا دائمًا، ثابتًا دائمًا، قادرًا على رفع علامة النصر فوق الركام، وكأنَّ الحزن ضعف، والخوف خيانة، والانكسار نقيض الإيمان، نسينا أنه إنسان، ومن حقه أن يتعب ويبكي ويخاف، وأن يقول إنَّ ما يحدث أكبر من احتماله، وليس من العدل أن نحول مُعاناته إلى مسرح دائم للبطولة، ثم نغفل عن حقه البسيط في الحياة العادية كسائر البشر.
ولعلَّ عظمة الفلسطيني ليست أنه لا ينكسر، بل إنه ينكسر، ثم يعرف إلى أين يحمل كسره... إلى الله، وهنا تبدأ فلسفة التسليم التي تستحق أن نتأملها نحن العرب طويلًا؛ فالتسليم ليس استسلامًا، وليس تبريرًا للظلم، ولا تخليًا عن الحق. الاستسلام أن تتوقف عن السعي، أمَّا التسليم لله فهو أن تفعل ما تستطيع، وتتمسك بحقك، وتحفظ أصلك، وتحمي أبناءك ما استطعت، ثم تضع كل ما تجاوز قدرتك البشرية في يد الله، فمشاهد الإيمان التي خرجت من غزة كشفت عن قدرة إنسانية وروحية عظيمة فاقت الوصف، فما معنى أن يقول رجل فقد بيته أو ربما جميع أفراد عائلته "الحمدالله"؟ وما الذي تحمله هذه الكلمة حين تخرج من فم أم فقدت أبناءها؟ إنها ليست بالضرورة إعلانًا عن غياب الألم، بل ربما اعتراف بأن الألم بلغ حدًا لم يعد الإنسان قادرا على حمله وحده؛ ففي قوله تعالى: "وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ" (غافر: 44)، معنى يتجاوز انتظار الفرج إلى اليقين بأن العدالة لا تنتهي عند حدود القوة البشرية، ثم إنَّ الإنسان المؤمن لا يحتاج إلى أن يفهم كل ما يحدث حتى يظل مؤمنا، وربما لهذا تبدو عبارة "حسبي الله ونعم الوكيل" في فم المظلوم أكبر دعاء وإعلان بأن هناك ميزانًا آخر لا تتحكم فيه الجيوش ولا المصالح ولا حق النقض "الفيتو".
لكن الحرب على فلسطين لم تتوقف عند الإنسان وحده، بل امتدت إلى الأرض نفسها، ففي السابع من أكتوبر الجاري، نشرت جريدة الرؤية العُمانية تقريرًا عن الاعتداءات على أشجار الزيتون الفلسطينية؛ حيث تضرر نحو 284 ألف شجرة بين عام 2023 ونهاية سبتمبر 2026، بفعل الاقتلاع والحرق والتكسير وغيرها من الاعتداءات من قبل الكيان المحتل، فما الذي يجعل شجرة الزيتون عدوًا وتهديدًا في نظر الصهيوني المحتل؟! شجرة زيتون لا تحمل السلاح ولا ترفع الشعارات، تقف في أرضها منذ مئات السنين، تمنح ظلها وثمرها وزيتها، ومع ذلك أصبحت هدفاً للاقتلاع والتجريف.
والجواب ربما أعمق من الخسارة الزراعية؛ فشجرة الزيتون لها قيمة عظيمة في الوجدان الفلسطيني، تمثل علاقة الإنسان بالمكان والأرض، وتاريخ الأجداد، ومصدر الرزق، وشهادة صمود على أن هذه الأرض كانت مأهولة بالحياة قبل أن تصبح مطمع الأعداء، وحين يقتلع الكيان المحتل شجرة معمرة فهو يقطع صلة بين أجيال مضت وأجيال آتية، لأن كل غصن زيتون يشهد على جذور أهله وأحبابه، ولأن الجذور ليست كلها تحت التراب، فبعضها في الذاكرة، وبعضها في اللغة، وبعضها في حكايات الجدات، ولهذا ظل محمود درويش يدندن في ذاكرتنا البعيدة: "على هذه الأرض ما يستحق الحياة".
وما يستحق الحياة في غزة وفلسطين هو الإنسان، الإنسان القادر على إعادة البناء والصلاة والدعاء، فالذي ما زال يعلم الأطفال يؤمن ضمنياً أن لهؤلاء الأطفال مستقبل، والذي يزرع شجرة زيتون يدرك أنه قد لا يجلس تحت ظلها، ولكنه يزرعها لمن سيأتي بعده، وهكذا يصبح تخيل الغد في حد ذاته مقاومة وإيماناً.
إنَّ أكثر ما يُخيفُني أن العالم تعلَّم كيف يعيش أو يتعايش مع المأساة الفلسطينية دون أن يشعر بضرورة تغيير أو فعل شيء، حين يتحول الألم المتكرر إلى مشهد مألوف، وحين يصبح الطفل المدفون تحت الركام صورة أخرى نمررها بإصبعنا على شاشة الهاتف، وحين تفقد الأرقام قدرتها على إيقاظ أي شيء في داخلنا.. هُنا تتحول استغاثة الأمهات وبكاء الأطفال ونضال الأبطال إلى اعتياد الظلم وتخدير الضمير، ليتجرأ البعض فيقول إن حياتهم لا تعنينا.
ومن سلطنة عُمان يبدو للقضية انتماء خاص؛ فالسياسة العمانية المعروفة بهدوئها ونهجها الدبلوماسي اختارت طريقًا واضحًا وصريحًا ومُشرِّفًا لا يقبل الصمت أو التأويل تجاه القضية الفلسطينية، ففي سبتمبر 2026 جددت سلطنة عُمان أمام الأمم المتحدة رفضها للاعتداءات الإسرائيلية، وإدانتها لانتهاكات الاحتلال بحق الشعب الفلسطيني، وتمسكها بحق الشعب الفلسطيني في دولتهم المستقلة على حدود الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، كما دعت إلى مساءلة الأنشطة الداعمة للاستيطان، وأكدت أن الإدانة وحدها لا تكفي دون خطوات عملية وجادة.
وبعد كل هذه السنوات، أصبح النصر تسليمًا، فهو وَعدٌ من الله وهو آتٍ لا محالة، كيف ومتى لا يهم الآن؛ ففي الحروب التي يدفع الأطفال والأمهات ثمنها، تبدو كلمة الانتصار ناقصة وثقيلة، فماذا يعني الانتصار أمام من دفن أبنائه وأحبابه، ربما يكون النصر الحقيقي الذي ينتظره الفلسطيني أكبر من نشوة معركة، وأطول عمرًا من حكومة متواطئة، وأعدل من ميزان السياسة الكذابة، هو أن يعود الحق لأصحابه، وأن ينتهي الاحتلال للأبد، وأن يأتي يوم يصبح فيه الطفل الفلسطيني طفلًا عربيًا عاديًا، يحمل حقيبته إلى المدرسة، ثم يعود إلى بيت يعرف أن أُمَّه في انتظاره.
ثلاث سنوات مضت منذ السابع من أكتوبر، وعقود أطول من الوجع الفلسطيني، وما زال العالم يحصي الخسائر، وما زال الفلسطيني يبحث عن بيته وعن شجرته وعن مستقبل أطفاله وكلما أثقلوا جسده بالجراح انتفضت الإرادة، وكلما أخذوا منه شيئًا، بحث في داخله عما لا يستطيع أحد أن يأخذه، أمَّا أنتم! فما زال بسيسو يسألكم: ما الذي سوف تقولونه لأطفالكم.. حينما يسألونكم: كيف قاتلوا وحدهم.. كشجر الأرز والزيتون؟ وكيف سقطوا وحدهم.. مثل صخرة في جبل القسطل العظيم؟!
