من ثمريت.. نور اجتماعي يخرج لآفاق الولايات

 

 

 

د. عبدالله باحجاج

من ولاية ثمريت بدأت مُبادرة حميدة في الظهور، تستحق إبرازها، وتستوجب انتشارها، وتتقاطع مع جهود مُباركة يقودها الأخ الدكتور خالد آل إبراهيم في ولاية صلالة، ترمي إلى إعادة تشكيل ثقافة اجتماعية، تجعل التكافل والتيسير والاعتدال معيارًا عقلانيًا لمختلف المناسبات وعلى وجه الخصوص العزاء والزواج، وقد نجحت المبادرة في مناسبة العزاء، وتبقى قضية الزواج مُؤرِّقة في كُلفتها المالية التي دخلت سباقًا في المظهرية المُبالَغ فيها، لم تُستثنَ منها حتى الأُسر محدودة الدخل، لأسباب اجتماعية، حتى لو غرقت في الديون!

ويظل هذا المشهد مستمرًا في التصعيد رغم إنكاره من الكل، لكن يحدث العكس في الواقع، ومعه بدأت التساؤلات: من، وكيف، ومتى سيتم وضع حدٍ لمظهرية الأعراس المكلفة ماليًا؟ وفي هذه الأثناء، يخرج من ولاية ثمريت نور اجتماعي لآفاق كل ولايات محافظة ظفار، وبالذات صلالة التي تبعد عنها أكثر من 77 كيلومترًا. وتتمثل مبادرة ولاية ثمريت في تبسيط مناسبة الزواج، عبر الاكتفاء في الأعراس بتقديم القهوة والتمر والحلويات، مع اختصار وقت المناسبة من العصر إلى المغرب.

هل يُمكن أن تصبح ظاهرة في مكانها، وتنتقل إلى محيطها الإقليمي المُثقل بارتفاع المهور وبسلسلة من الالتزامات والمظاهر التي ترفع تكلفة الزواج، وتجعل الشباب يترددون في الإقدام عليه؟ هذا النور الاجتماعي الذي يخرج من ثمريت ينبغي ألّا يبقى محصورًا على نطاق ضيق أو في ولاية واحدة؛ بل نأمل أن يمتد إلى ولايات محافظة ظفار كلها.

والحاجة ماسَّة لتعاون الجميع من أجل هذا الهدف؛ لإعادة الفرحة بالزواج إلى بساطتها وجمالها؛ فالزواج حياة، وليس ليلة واحدة، فلا ينبغي أن نُحمِّل ليلة الفرح تكاليف تفوق قدرة أصحابها، وتُغرقهم في ديون طوال العمر، وتجعل من الزواج حلمًا صعب المنال للكثير من جيل الشباب الذين يصارعون للحصول على وظيفة، وإذا تمكن منها تكون بمرتبات ضعيفة أو محدودة.

كل مُطَّلِع على مناسبات الزواج في ظفار- ولاية صلالة نموذجًا- سيرى أننا قد وصلنا فعلًا إلى ضرورة تدخل العقلاء والحكماء والسُلط المحلية الآن عاجلًا؛ فقد تحول الزواج إلى مسابقة للتفاخر والتباهي؛ فالكلفة المالية لم تعد في المهر وحده، وإنما في ما يُحيط به من تكاليف الاحتفالات والقاعات والولائم والمأكولات والحلويات والذهب وغيرها الكثير. وإذا ما لجأت أي جهة رسمية أو خاصة إلى اعتبار ذلك من معايير قياس الثراء، فستخرج بحكم استنتاجي مفاده أن المجتمع المحلي غنيٌ، وكل من يكتب عن حالات للفقر يُبالغ، ولا يمت للواقع بصلة!

والمُتبصِّر في التطورات المالية الجديدة ببلادنا، وانعكاساتها الاجتماعية، يُدرك أنَّ استمرار هذه المظاهر والتكاليف، تجعل خيار الزواج أمام الشباب يتأرجح بين الصعوبة والاستحالة، خصوصًا مع ارتفاع تكاليف المعيشة وتزايد الالتزامات ومحدودية المرتبات. وهنا تبرز لنا أهمية مبادرة ولاية ثمريت؛ فهي ليست مجرد طريقة لتقليل مصروفات العرس، وإنما يمكن أن تكون بداية لتغيير ثقافة مجتمعية غير صالحة- مكانًا وزمانًا- ولا حتى شرعًا، وهنا دور الفاعلين والقيادات المحلية في كل ولاية، بما فيهم مؤسسات الولاة والشيوخ وكل النخب التي ينبغي أن تدعم- ماليًا ومعنويًا- هذه المبادرة، وتعمل على انتشارها في الولايات؛ إذ إن انتشارها الجغرافي مسؤولية جماعية.

نحن هنا لا ندعو إلى إلغاء الفرح وحرمان الأسر من الاحتفال بأبنائها؛ بل ندعو إلى ألّا يتحول الفرح إلى إسراف، وإنما ترسيخ عادات اجتماعية تساعد على الزواج، بدل أن تجعل الزواج أكثر صعوبة أو استحالة، أو أن يؤدي الزواج إلى طلاق فيما بعد. وقد جاءت محافظة ظفار في المرتبة الثانية من حيث ارتفاع عدد حالات الطلاق بعد محافظة مسقط عام 2025، وهذا في حد ذاته مشكلة كبيرة، فكم عدد المُطلَّقات الآن؟

على كل الفاعلين في المؤسسات الحكومية والرسمية والأهلية والخاصة أن تدعم مبادرة ثمريت، وهنا يمكن لصندوق الزواج أن يسهم بدور ملموس، بربط دوره بتشجيع المبادرات الاجتماعية التي تُخفِّف من الأعباء، ومنها مبادرة ثمريت، ويكون دائمًا بالتنسيق مع مؤسسات الولاة والمجتمع المحلي، بحيث يصبح الدعم المالي للصندوق جزءًا من منظومة لبناء ثقافة مجتمعية جديد للتسيير والواقعية.

الأكثر قراءة

z