مسقط - الرؤية
كشف المركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة بهيئة الطيران المدني عن توقعات مناخية تشير إلى اشتداد ظاهرة النينو خلال الأشهر المقبلة، مع ترجيح بلوغ ذروة قوتها خلال نوفمبر وديسمبر 2026، بالتزامن مع توقعات بهطول أمطار بمعدلات أعلى من المعتاد في عدد من محافظات سلطنة عُمان، واستمرار درجات الحرارة فوق معدلاتها المناخية خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر المقبلين.
وأوضح المركز، في تقرير يستعرض تطورات الظاهرة وتأثيراتها المناخية المحتملة على سلطنة عُمان، أن التوقعات تستند إلى متابعة المؤشرات المناخية العالمية، وتحليل البيانات الإحصائية والسيناريوهات التاريخية المشابهة، بهدف دعم منظومة الإنذار المبكر وتعزيز جاهزية القطاعات الحكومية والعسكرية والخاصة للتعامل مع مختلف الاحتمالات الجوية.
أمطار أعلى من المعدلات في شمال سلطنة عُمان
وأشارت التوقعات الموسمية الصادرة عن المركز إلى تباين معدلات الهطول المطري بين محافظات سلطنة عُمان خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر 2026، إذ يُتوقع أن تكون كميات الأمطار أعلى من المعدلات المناخية المعتادة في شمال السلطنة خلال أكتوبر ونوفمبر، مع فرص لاستمرار هذا النمط في ديسمبر.
وبحسب التقرير، يُرجح أن يكون الهطول المطري خلال أكتوبر حول معدلاته المعتادة في معظم المناطق الأخرى، باستثناء المناطق الساحلية المطلة على بحر العرب، حيث يُتوقع أن يكون دون المعدل. أما في نوفمبر، فتشير التوقعات إلى هطول أمطار حول المعدلات المناخية في بقية المناطق، فيما يُرجح أن تكون كميات الأمطار في ديسمبر حول المعدلات المعتادة على معظم أنحاء السلطنة، مع فرص لتجاوزها في المناطق الشمالية.
وبيّن التقرير أن التحليلات الإحصائية للفترة الممتدة من عام 1980 إلى عام 2025 أظهرت ارتباط ظاهرة النينو بزيادة معدلات الهطول المطري في سلطنة عُمان خلال الفترة من سبتمبر إلى مايو، مقارنة بالمعدلات المناخية المعتادة.
وسجلت التحليلات زيادة في معدلات الهطول المطري بنحو 20% خلال الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر، و31% خلال الفترة من ديسمبر إلى فبراير، و54% خلال الفترة من مارس إلى مايو، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.
درجات الحرارة أعلى من المعدلات المعتادة
وفيما يتعلق بدرجات الحرارة، أشار المركز إلى أن التوقعات الموسمية ترجح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات المناخية في مختلف أنحاء سلطنة عُمان خلال أكتوبر ونوفمبر وديسمبر 2026.
وتتوافق هذه التوقعات مع ما أشار إليه التقرير بشأن استمرار الظروف الأدفأ من المعتاد خلال الموسم، مع التأكيد أن ارتفاع درجات الحرارة المتوقع لا يُعزى إلى ظاهرة النينو وحدها، بل ينتج عن تفاعل مجموعة من العوامل والأنماط المناخية الإقليمية والعالمية.
وأظهرت التحليلات التاريخية لبيانات الفترة من 1980 إلى 2025 أن سنوات النينو ارتبطت بارتفاع متوسط درجات الحرارة بنحو 0.12 درجة مئوية خلال الفترة من سبتمبر إلى نوفمبر، و0.04 درجة مئوية خلال ديسمبر إلى فبراير، مقابل انخفاض بنحو 0.37 درجة مئوية خلال الفترة من مارس إلى مايو، مع اختلاف التأثيرات بين مناطق السلطنة.
أمطار غزيرة وجريان الأودية ضمن التأثيرات المحتملة
وحذّر التقرير من أن تحقق بعض المؤشرات الموسمية والسيناريوهات الجوية المحتملة قد يصاحبه هطول أمطار غزيرة إلى شديدة الغزارة، قد تؤدي إلى جريان الأودية، وربما تكون جارية بقوة في بعض المواقع، بما قد يؤثر على المنازل والمنشآت الواقعة في المناطق المنخفضة أو القريبة من مجاري الأودية.
كما تشمل التأثيرات المحتملة هبوب رياح نشطة إلى شديدة السرعة، قد تتسبب في تطاير الأجسام غير المثبتة وتضرر الأشجار وأعمدة الكهرباء وبعض المرافق، إلى جانب ارتفاع أمواج البحر، خصوصًا في مناطق العواصف الرعدية، وتساقط حبات البرد في بعض المناطق.
وأشار التقرير كذلك إلى احتمالية تأثر الحركة المرورية على الطرق الرئيسية والفرعية نتيجة جريان الأودية وتجمع المياه، فضلًا عن حدوث انقطاعات أو صعوبات مؤقتة في بعض الخدمات، بما في ذلك الكهرباء والمياه والاتصالات، في المناطق التي قد تتأثر بالحالات الجوية.
وتأتي هذه السيناريوهات في إطار تقييم التأثيرات المحتملة في حال تحقق المؤشرات الموسمية، ولا تعني بالضرورة وقوع هذه الظواهر أو تأثر جميع المحافظات بها.
هل ترتبط النينو ببرودة الشتاء في عُمان؟
وفيما يتعلق بدرجات الحرارة خلال الأشهر الباردة، أظهرت التحليلات التاريخية الواردة في التقرير احتمال تأثر السلطنة بموجات باردة خلال الفترة من ديسمبر إلى أبريل، قد تؤدي إلى انخفاض ملموس في درجات الحرارة في عدد من المحافظات، مع إمكانية هبوطها إلى ما دون الصفر المئوي على القمم الجبلية.
كما أشار التقرير إلى احتمال تساقط الثلوج على المرتفعات والقمم الجبلية عند توافر الظروف الجوية المناسبة المصاحبة للموجات الباردة.
وتستند هذه الاحتمالات إلى تحليل التغيرات المناخية المسجلة خلال سنوات حدوث النينو، ولا تمثل توقعًا مؤكدًا لحدوث موجات برد أو تساقط للثلوج خلال الموسم المقبل.
ماذا تكشف الحالات التاريخية عن تأثير النينو؟
واستعرض المركز حالتين تاريخيتين بارزتين لظاهرة النينو، هما حدثا 1997–1998 و2015–2016، بهدف مقارنة الظروف المناخية المصاحبة لهما بالتوقعات الحالية.
ففي عام 1997، شهدت سلطنة عُمان موسمًا مطريًا استثنائيًا، لا سيما خلال مارس، مع تتابع حالات جوية تسببت في هطول أمطار غزيرة وعواصف رعدية وجريان الأودية وارتفاع منسوب المياه في عدد من المناطق.
أما خلال الفترة من 7 إلى 11 مارس 2016، فقد تأثرت السلطنة بمنخفض الهمال المرتبط بأخدود جوي عميق، وشهدت معظم محافظات شمال السلطنة أمطارًا رعدية تراوحت بين المتوسطة والغزيرة، مصحوبة برياح نشطة وتساقط حبات البرد، وأدت إلى جريان الأودية وحدوث فيضانات في بعض المواقع، إلى جانب تسجيل حالات احتجاز وإنقاذ.
وسجلت محطة الأرصاد الجوية في المضيبي أعلى كمية هطول خلال تلك الحالة، بلغت 120.4 ملم، تلتها الرستاق بـ105.2 ملم، وبهلاء بـ101 ملم، والعوابي بـ97.6 ملم، ووادي المعاول بـ89.8 ملم، وفقًا للبيانات الواردة في التقرير.
وأشار التقرير إلى أن هذه الحالات التاريخية تساعد في فهم الأنماط المناخية المحتملة، والاستفادة من البيانات السابقة في تقييم السيناريوهات المستقبلية، دون اعتبارها دليلًا على تكرار الظروف ذاتها.
فرص الحالات المدارية في بحر العرب
وفي ما يتعلق بالنشاط المداري، أظهر التحليل الإحصائي للفترة من 1980 إلى 2025 تباينًا في عدد الحالات المدارية وشدتها خلال مراحل النينو واللانينيا والحياد.
ووفقًا للأرقام الواردة في التقرير، سُجلت 36 حالة مدارية خلال سنوات النينو، بمتوسط 2.8 حالة لكل 12 شهرًا، فيما بلغت الحالات 29 خلال اللانينيا، بمتوسط 2.2 حالة، و52 حالة خلال الظروف المحايدة، بمتوسط 2.6 حالة لكل 12 شهرًا.
وبلغت نسبة الحالات التي وصلت سرعة رياحها المستمرة إلى 64 عقدة 22% خلال النينو، مقابل 17% خلال اللانينيا و23% خلال الظروف المحايدة.
وأشار المركز إلى استمرار فرص تشكل حالات مدارية في بحر العرب خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر، مؤكدًا أهمية المتابعة المستمرة للتطورات وتحديث التوقعات والتنسيق مع القطاعات ذات الصلة.
ما ظاهرة النينو؟
وتُعد النينو إحدى المراحل الرئيسية لظاهرة التذبذب الجنوبي للنينو (ENSO)، وهي نمط مناخي طبيعي ينشأ نتيجة التفاعل بين المحيط الهادئ الاستوائي والغلاف الجوي، ويصاحبه ارتفاع في درجات حرارة سطح البحر عن معدلاتها المعتادة في أجزاء من وسط وشرق المحيط الهادئ الاستوائي، إلى جانب تغيرات في الرياح والضغط الجوي.
وتتباين آثار الظاهرة من منطقة إلى أخرى، إذ قد ترتبط بتغيرات في معدلات الأمطار ودرجات الحرارة واحتمالات بعض الظواهر الجوية المتطرفة، كما تختلف تأثيراتها باختلاف الموسم والظروف المناخية الإقليمية.
ويؤكد التقرير أهمية الاستفادة من مؤشرات النينو في التنبؤات الموسمية، مع مراعاة أنها تمثل أحد المؤشرات المساعدة وليست العامل الوحيد المحدد للطقس والمناخ في السلطنة.
ويواصل المركز الوطني للإنذار المبكر من المخاطر المتعددة متابعة تطورات الظاهرة والتوقعات المناخية المرتبطة بها، بما يدعم الاستعداد المبكر ويعزز جاهزية الجهات المعنية للتعامل مع مختلف السيناريوهات المحتملة خلال الأشهر المقبلة.
