حاتم الطائي
◄ علاقة استراتيجية بين القيادة الفاعلة والرؤية السديدة في صياغة توجهات الدولة
◄ الدبلوماسية الاقتصادية أحد أبرز أشكال القيادة الرشيدة لضمان النمو المُستدام
◄ السياسة الخارجية العُمانية تملك استقلالًا مُتفرِّدًا في زمن الاستقطابات والتبعية
ترتكز فلسفة الحُكم الرشيد في أي دولة، على ما ترسمه القيادة من رؤى استراتيجية فاعلة تستلهم قوتها من الإرث الحضاري وقراءتها الواعية للواقع المُعاصر واستشرافها الدقيق للمُستقبل، ونحن في عُمان، قد مَنَّ الله علينا بسُلطان حكيم يملك زمام المنطق السديد، ويخط بفكره الرشيد مسارات المستقبل المزدهر لأبناء هذا الوطن، مُرتكزًا على عُمق حضاري تمتد جذوره إلى الألفية الثالثة قبل الميلاد، ومُستندًا إلى أركان النهضة المُتجددة التي تضع مصلحة الوطن والمُواطن فوق كل اعتبار.
وثمّة علاقة استراتيجية بين القيادة والرُّؤية، ولا يمكن حصرها في مجالات محدودة، أو اقتصارها على نهج دون آخر؛ إذ تتسع باتساع آفاق التفكير، وتتشعب بتنوُّع التجارب، وتعدد الجهود الفاعلة لتحويل الأفكار القيادية إلى رؤية قابلة للتنفيذ. وفي وطننا الحبيب، ومنذ انطلاق مسيرة النهضة المُتجددة، وبلادنا تخطو نحو المُستقبل بكل ثقة، فمن اقتصاد يُعاني تحت وطأة الدين العام وضعف مصادر الدخل المعتمدة بشكل كبير على عائدات النفط، إلى نمو حقيقي تقوده القطاعات غير النفطية، وتراجع لافت في الدين العام مع استعادة الجدارة الاستثمارية في التصنيفات الائتمانية العالمية. ولم يكن لهذه النتائج أن تتحقق لولا الرؤية السامية السديدة التي خططت لتجاوز هذه الأزمة، والانطلاق نحو مسار اقتصادي يعتمد على جذب الاستثمارات وبناء الشراكات الدولية.
وهنا يتعيَّن علينا أن نقف اعتزازًا وتقديرًا للنهج السامي المُتفرِّد الساعي لإطلاق الشراكات حول العالم، من خلال الزيارات السامية التي يقوم بها جلالة السلطان المفدى- أيده الله؛ ففي مختلف هذه الزيارات، ظل الاقتصاد المحور الأساسي ونقطة الارتكاز الرئيسة لكل المُباحثات التي يجريها جلالته مع قادة وملوك ورؤساء العالم، سواء في محيطنا الإقليمي العربي والخليجي، أو المحيط الدولي في آسيا وأوروبا وأفريقيا. ولا شك أنَّ مثل هذه التوجهات تتيح لعُمان الفرصة لاستكشاف آفاق الشراكة الاقتصادية مع الدول الشقيقة والصديقة، وفي الوقت نفسه تمنح اقتصادنا الوطني دفعة تساعد على تعميق النمو وبناء قاعدة اقتصادية متينة، قوامها الاستثمارات النوعية والصناعات التحويلية وترسيخ مكانة عُمان كمركز لوجستي ونافذة لمختلف المنتجات نحو أسواق المنطقة وآسيا وأفريقيا.
وقد توازى مع هذه الدبلوماسية الاقتصادية، إطلاق العديد من الخطط والبرامج والاستراتيجيات التي تُعزز من جاذبية بيئة الاستثمار المحلية، سواء فيما يتعلق بالمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة وما توفره للمستثمر من مزايا وحوافز تنافسية، أو البيئة التشريعية المُحفِّزة والجاذبة للاستثمار، خاصة مع اكتمال منظومة التشريع المعنية بالاستثمارات، واستمرار الجهود الرامية لمراجعة مختلف القوانين ذات الصلة، بهدف تطويرها بما يتواءم مع مُتطلبات تعزيز تنافسية عُمان.
وعندما نُحلل مضامين هذه الدبلوماسية الاقتصادية التي يقودها جلالة عاهل البلاد المفدى، نجدها تستند على أسس نوعية تتضمن: أولًا: توسيع الشراكات الثنائية على المستويين الاستثماري والتجاري، من خلال توقيع اتفاقيات ومذكرات تفاهم وبرامج تنفيذية، في العديد من المجالات. ثانيًا: التركيز على القطاعات النوعية التي تتميز بها عُمان، وعلى رأسها القطاع اللوجستي والنقل والصناعات التحويلية والأمن الغذائي. ثالثًا: تأسيس صناديق استثمارية مشتركة لضمان تحويل مذكرات التفاهم والاتفاقيات إلى واقع عملي يُنجز مشروعات ويحقق العوائد المأمولة. رابعًا: استهداف تبادل الخبرات وتوطينها عبر تأهيل الكفاءات الوطنية وتنفيذ المشروعات المشتركة.
لذلك عندما نُؤكد قوة العلاقة بين القيادة الرشيدة والرؤية السديدة، فإننا نُبرز حجم الترابط بينهما؛ فالقيادة الناجحة والرؤية الفاعلة، مثل علاقة الجسد بالروح، لا ينفصلان؛ إذ لا إنجاز يُمكن تحقيقه دون رؤية واعية وقيادة قوية، تملك زمام الأمور وتتصرف بناءً على الحكمة المتأصلة في ذاتها. والقيادة عندما تمتلك تلك الرؤية والبصيرة تكون قادرة على تحقيق نتائج إيجابية، وهو ما نشهده في وطننا الحبيب، في حين أن التاريخ والحاضر مليء بقيادات افتقرت إلى الرؤية، ما قادها إلى مسارات من التيه والتراجع الحضاري والفكري؛ بل والإنساني، لأنها لم تملك البصيرة التي تساعدها على قراءة بوصلة الحياة بالشكل المطلوب.
ومظاهر القيادة الرشيدة صاحبة الرؤية السديدة، تتجلى في مواضع مختلفة من شؤون الدولة؛ إذ لا يقتصر الأمر على الشأن الاقتصادي أو جذب الاستثمارات، لكن يشمل ذلك أيضًا الحرص على توفير المعيشة الكريمة للمواطن، من خلال جهود الدولة لتوفير فرص العمل والتوسع في المشاريع الإسكانية، وتحفيز نمو القطاعات المختلفة، فضلًا عن جهود ترسيخ مكانة الدولة في محيطها الإقليمي ومكانتها في المُجتمع الدولي.
والسياسية الخارجية العُمانية خير شاهد على هذه الحكمة السامية؛ إذ تحافظ عُمان على علاقات متوازنة مع جميع دول العالم، بعيدًا عن أجواء الاستقطاب السياسي أو التحيُّز لطرف على آخر، وإنما من خلال توسيع نطاق العلاقات الدبلوماسية، بما يضمن أن يظل قرارنا السياسي مستقلًا بالكامل. ولقد كشفت التطورات الأخيرة في المنطقة عن مدى رسوخ استقلالية قرارنا السياسي، فلم ترتهن الدبلوماسية العُمانية يومًا لضغوط قوى بعينها، ولم تسع يومًا لإرضاء أي طرف مهما بلغت قوته؛ بل إنَّ عُمان في بعض المواقع تدفع ثمن استقلالية قرارها السياسي الخارجي.
ولا يُمكن أن ننظر إلى الزيارات السلطانية السامية إلى دول العالم بمنأى عن هذه الاستقلالية، فالتحرُّك شرقًا وشمالًا وجنوبًا، نحو أقاصي آسيا وشرقها ووسطها، وكذلك نحو شرق أفريقيا وغربها وجنوبها، وحتى في أوروبا، كلها تعكس رؤية عُمانية سديدة، تستهدف أولًا توطيد علاقات عُمان بهذه الدول، إلى جانب توسيع نطاق الدبلوماسية العُمانية، لكي تتفادى أي تخندق سياسي أو ارتهان القرار الدبلوماسي لضغوط من طرف أو آخر.
ولذلك وبعد الزيارات السامية لعدة دول حول العالم، منها دول يزورها جلالة السلطان لأول مرة، ودول أخرى تشهد أوَّل زيارة لسلطان عُماني في التاريخ، مثل كازاخستان، فإننا نتوقع أن نشهد مزيدًا من الزيارات السامية التي تعكس بُعد الرؤية وعُمق البصيرة وتُترجم بوضوح الحرص السامي على بناء علاقات شراكة أقوى وأكثر رسوخًا مع هذه الدول، لا سيما من القوى ذات الثقل الدولي والمُؤثر في المشهد العالمي.
ويبقى القول.. إنَّ القيادة الحكيمة صاحبة الرؤية السديدة، تقود سفينة الوطن نحو مرافئ الاستقرار والازدهار، وهو ما ننعم به في هذا الوطن العزيز الأبِيّ، الذي يُؤمن بالسلام وبقدرة الدبلوماسية على بناء جسور الشراكة والتَّعاون، كي ينعم الجميع بالأمن والاستقرار والازدهار المنشود.
