اللامبالاةُ حبلُ نجاة

 

 

 

عائض الأحمد

معتوهٌ من يلاحقُ المستحيل، وإن بدا قادرًا عليه؛ فاللامبالاةُ حبلُ نجاةٍ أقربُ إلى الخلاص.

أولم تسمع بالقانونِ التراجعي؟ ذاك الذي يجعلُ ما تُصرّ عليه يبتعد، وما تُهمله يقترب حتى يقع بين يديك.

امتطِ جوادكَ، وارسم له خُطاهُ مُكرَهًا، وتشبّث بعِنانه، ثم العَنِ القافلة… واثقًا بالكلاب التي تنبح؛ فقد ضللتَ المسير، وحملتَ الأمورَ ما لا تحتمل.

عشتَ عمرًا تتأفّف وتنوح وتشتكي، فلم تجد لعلّتك دواءً، وحين ألقيتَها خلف ظهرك، فاجأك نداؤها، وأرهقك صراخها: لماذا فعلتَ هذا؟

كأنك لم تكن يومًا بين ظهرانيها، ولا كنتَ ربيعَ رُباها.

غضضتَ الطرف، واستوحشتْ كلُّ كلمات العتب، حتى هجرتَها، وحلّ الصمتُ بديلًا للنواح.

أحسستَ بالفراغ يتسرّب، يأخذ ما تبقّى من روحك، ويتركك وحيدًا مع صدى خطواتك، وحُلمٍ وُلد ميتًا.

وفي ذلك الصمت العميق، تذكّرتُ تلك السيدة المسنّة…

وتذكّرتُ معها كيف يمكن لمن أحرقه الشغف يومًا أن يعود فيقف بعيدًا، فلا يبالي، كما تفعلين الآن.

أدركتُ أن التمسك بكل شيء يرهق الروح، وأن ترك بعض الأشياء وشأنها قد يكون أحيانًا الطريق إلى السلام الداخلي.

ومع هذا الإدراك، زادت رغبتُك في الرحيل عن كل ما عرفت، ليس هروبًا، بل مساحة للتأمل والهدوء، وللالتقاط أنفاسك وفهم ما حولك.

وفي قلب كل تجربة، حتى تلك التي يلتقي فيها الجسد بما تشتهي الروح، يظهر أثر اللامبالاة؛ لا تجاه الآخر، بل تجاه كل ما يثقل النفس من توقعاتٍ وأحكام.

هناك، في لحظة العناق الصاخب، تشعر أنك منغمس بالكامل في الحاضر، بلا مقاومة ولا حساب، كما لو أن العالم كله اختفى، وتبقى أنت وهي وحدكما مع إحساس بالحرية والتجرد من كل شيء؛ صمتٌ يشبه موت ما يرهق، مع شهيقٍ وأنفاسٍ بلا صدى عائد.

اللامبالاة في تلك اللحظة ليست برودةً أو فقدان شعور، بل أن تترك اللحظة تأخذك دون أن تطالبها بشيء.

هنا، تصبح اللامبالاة حبل نجاة آخر؛ ليس فقط من صخب الحياة، بل من أوهام التحكم في أفعال البشر، فتشعر، أخيرًا، أنك حرّ، حيّ، موجود في اللحظة كما هي.

وجنونُ اللامبالاةِ نعمةٌ تخفي وراءها حكمة الكون؛ إن أحسنّ المرءُ استثمارها، وجد الراحة والسكينة.

وفي الصمت، تتضح الحقيقة: لا كل ما تطارده يخصك، ولا كل ما تهمله يضيع؛ بل هناك مساحة للروح لتتجدد، وتستنشق الحياة مرة أخرى.

لها: تمنّيتُ، وفعلتُ، وأثّرتُ بكل ما لدي، والآن أقفُ خاليَ الوفاض، كمن ينتظرُ هِبةً لا موعدَ لقدومها.

شيء من ذاته: نهجُ التودّد والخضوع وضمور العاطفة، أفعالٌ بشرية… فلِمَ الصراخ؟ ولِمَ إيقاظُ الحواس، والغوصُ في وحلِ الإنسانية وكأنّ الملائكةَ تسكن أطرافَ حينا؟

نقد: ربما لا تكون اللامبالاة نجاةً دائمًا؛ لكنها قد تكون آخر ما يبقى للروح حين تتعب من محاولة إنقاذ من لا يريد النجاة.

الأكثر قراءة

z