عبير بنت سيف الشبلية
تململتْ جدتي بنظرةِ لومٍ ثم عتابٍ وانتهاء بصمت مطبق وإغلاق حوار الفضول إلى الأبد، يبدو أن صبرها نفد ولم تعد بها طاقة كافية للشرح أو التبرير. وهذا إعلان رسمي لي بالانسحاب وأن هذا الحوار الجدلي لن يغير من الواقع شيئًا.
كنت طفلة فضولية وكثيرًا ما يخطر ببالي ذات السؤال: ما سر القهوة؟ وهل مذاقها بطعم السكر؟! مثلما كانت تقول جدتي. أذكر أنها في إحدى المرات أجابتني بابتسامة فيشعَّ من وجهها أمان، وتجاعيد ناعمة تكسبها وقارا وجمالا: لكنها لن تعجبك لذلك أحذرك من الاقتراب! وبفضول طفولي مثير للأعصاب.. قلت لها: إذا لماذا هي الرفيقة والمؤنسة وتزهو بها مجالسكم؟!
تململت جدتي ثم رمقتني بنظرة ووجب عليَّ الصمت.
ومن يومها لم أجرؤ على الاقتراب من دلة قهوة. ولازال السؤال معلقا دون جواب.
وإن سألتموني:
شرارة الفضول بداخلي لم تهدأ، وبي من الدهشة والاستغراب ما جعلني أتوق للاقتراب والتعرف على سر "قهوة عربية" بنكهة مُرَّة تفوح منها رائحة توابل عطرية تأسر الأنفاس.
في إحدى المرات قال لي أبي: إن القهوة العربية جزء لا يتجزأ من قيمنا العربية وهي رمز أصيل للضيافة والكرم والتراث الاجتماعي العريق.
تشتهر القهوة العربية بنكهتها المُرَّة والغنية والعميقة. وكان أبي من علمني أول درسٍ في إعداد القهوة العربية، رغم أني لم أتذوقها يومًا ولم أجرؤ على ذلك بمرور الأيام.
قال لي بحنان وثقة: يتميز تحضير القهوة العربية بالثقة والبساطة؛ حيث يتم غلي حبوب البُن المحمصة مع الماء مع إضافات من الهيل وماء الورد والزعفران والقرنفل.
ثم أضاف بحزم يفرض هيبة والتزامًا: ولكن هناك آداب وتقاليد لشرب القهوة العربية. فلا يُملأ الفنجان، بل يصب فيه رشفة أو رشفتان احترامًا وتقديرًا للضيف.
كما تُقدَّم باليمين وتؤخذ باليمين. وللدلالة على الاكتفاء يُهز الفنجان يمينًا ويسارًا أمام صانعها أو ساقيها.
كانت تجربة غنية ومثيرة.
وأعترف اليوم أني ممتنة لك يا أبي لإعطائي درس القهوة العربية التي لم أتذوقها يوما وأعشق رائحتها العطرية.. شكرًا أبي لأنك تستمع إليّ دائمًا بصدر رحب، وتظل أنت قدوتي وبطلي.
