عُمان مستهدفة

 

 

 

د. خالد بن علي الخوالدي

 

عُمان الدولة الهادئة والمسالمة والبعيدة عن الصراعات والحروب، عُمان الحيادية التي تنأى بنفسها عن الدخول في التحزبات والتجمعات التي تُحاك في كل مكان، لم تسلم ولن تسلم من الاستهداف لأنها تقف بحزم مع القضايا العادلة وفي مُقدمتها قضية فلسطين.

ولمواقفها الحاسمة الرافضة للتطبيع مع الكيان الصهيوني نجد اسم عُمان يزج به في أي قضية أو حادثة تطفو على السطح، وما هي إلا ساعات حتى نجد اسمها حاضرا في سجال واسع على منصات التواصل الاجتماعي، وتبدأ معه موجة من التعليقات والتأويلات، بعضها يُناقش الحدث وبعضها يتجاوز الحدث ليطال عُمان وشعبها ورموزها ومواقفها.

هؤلاء يتغافلون عن مواقف عُمان العالمية الداعمة للسلم والأمن والاستقرار، وما يلفت الانتباه أنَّ هذه ليست المرة الأولى التي تتعرض فيها عُمان لمثل هذه الحملات؛ فتارة يكون المدخل موقفًا سياسيًا، وتارة رأيًا دينيًا وتارة تصريحًا أو حدثًا عابرًا، ثم تتسع الدائرة لتصل إلى رموز عُمان وعلمائها.

عُمان اختارت منذ عقود طريقًا واضحًا في سياستها الخارجية.. طريقٌ يقوم على السلام والحوار وعدم التدخل في شؤون الآخرين، وعلى أن تكون أبوابها مفتوحة للتقريب بين المختلفين، لا ساحة لتصفية الحسابات بينهم، وفي عالم تمتلئ ساحاته بالصراعات، حافظت عُمان على هذا النهج، واستطاعت أن تكون حاضرة في ملفات إقليمية ودولية معقدة، وأن تحظى بثقة أطراف قد لا تجتمع على طاولة واحدة لولا ثقتها في الوسيط العُماني.

وفي القضية الفلسطينية ظل الموقف العُماني واضحًا في دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، ورفض الظلم الواقع عليه، والدعوة إلى السلام العادل وفق مُقررات الشرعية الدولية، ومثل هذه المواقف قد لا تُرضي الجميع، كما أنَّ سياسة الحياد الإيجابي العُمانية قد لا يفهمها البعض؛ لأنَّ هناك من يُريد من الدول أن تصطف معه بالكامل أو تكون ضده بالكامل.

لكن رسالتي هنا ليست إلى من يُسيء إلى عُمان، بقدر ما هي إلى العُمانيين أنفسهم، علينا ألّا نسمح لأي حساب مجهول أو تغريدة مُستفزة أو مقطع مُجتزأ، بأن يسحبنا إلى مساحة لا تُشبهنا، ليس كل من أساء إلى عُمان يستحق أن نرُد عليه، وليس كل من استفزنا يستحق أن نُعطيه من وقتنا وحضورنا ما يبحث عنه؛ فبعض الحسابات تعيش أصلًا على ردود الأفعال، وكلما هاجمها الناس زاد انتشارها.

والدفاع عن عُمان لا يكون بالإساءة إلى الآخرين ولا بالشتم ولا بالتجريح ولا بتعميم الأحكام على الشعوب والدول، نحن ندافع عن عُمان بأخلاق عُمان وبالحجة وبالمعلومة وبالهدوء وبالوعي؛ مصداقًا لقوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ﴾؛ فهذه الآية يمكن أن تكون منهجًا لنا في التعامل مع كثير مما نراه اليوم. نرد على الكلمة بالكلمة الطيبة وعلى المعلومة الخاطئة بالحقيقة وعلى الاستفزاز بالتجاهل حين يكون التجاهل أبلغ، ونترك للجهات المختصة ما يدخل في نطاق مسؤولياتها؛ فعُمان لا تحتاج منا أن ندخل في كل معركة إلكترونية دفاعا عنها؛ فتاريخها يتحدث عنها وأمنها واستقرارها يتحدثان عنها ودبلوماسيتها ومواقفها تتحدث عنها وشعبها بأخلاقه ووعيه هو أقوى من يدافع عنها.

قد تكون عُمان مُستهدفة في بعض الحملات والخطابات، ولكن الرد الأجمل أن نبقى كما نحن، عُمانيين في أخلاقنا، حكماء في ردودنا، ثابتين في مواقفنا، وأوفياء لوطن علَّمنا أنَّ السلام قوة، وأن الحكمة لا تعني الضعف، وأن حُب عُمان يظهر في السلوك قبل أن يظهر في الكلمات.

ودُمتم ودامت عُمان بخيرٍ.

الأكثر قراءة

z