الشيخ القاضي سيف بن حمد الأغبري ناسِخًا للكتب بيده ومنسوخًا له

 

 

 

سلمى بنت سيف البطاشيّ

لم يكن الكتاب عند العلماء مجرد وعاءِ للمعرفة، ولا صفحات تُحفظ فيها المسائل والأقوال، بل كان رفيقًا في رحلة العلم، وشاهدًا على مراحل التحصيل والتلقي، وذاكرة تحفظ ما مرّ به صاحبه من قراءة ونسخِ وسماع وتملُّك. ولهذا اعتنى العلماء بالكتب عنايةً خاصة، فكان بعضهم ينسخ ما يحتاج إليه بيده، وربما أفنى وقتًا طويلًا في مقابلة النسخ وتصحيحها، وكان بعضهم يستكتب النُّساخ فيما يريد اقتناءه، فتنتقل الكتب من يدِ إلى أخرى، وتحمل معها آثار أصحابها وقيودهم وتواريخهم.

ولم تكن هذه العناية بالكتاب منفصلة عن عناية العالِم لنفسه قد يكون ثمرة حاجة علمية، أو رغبة في حفظ أصل لم يكن متيسرًا له، أو حرصًا على امتلاك نسخة يعتمد عليها في القراءة والبحث. أما الكتاب الذي أوصى بنسخه لنفسه، فقد يكشف عن مكانته العلمية، وعن الكتب التي رأى ضرورة اقتنائها والرجوع إليها. ومن النماذج التي تستوقف الباحث في هذا الجانب الشيخ القاضي سيف بن حمد الأغبري.

وُلِد الشيخ سيف بن حمد الأغبري في بلدة سيما من ولاية إزكي سنة 1309هج وقد توفي والده وعمره أربع سنوات، فتولى عمه رعايته وكما أدت أمه دورًا كبيراً في تربيته فنشأ في بيئة عُرفت بالعلم، وأقبل على القرآن وعلوم العربية والفقه، وتتلمذ على يد الإمام محمد بن عبد الله الخليلي - رحمه الله- وكانت بينه وبين الشيخ خلفان بن جميل السيابي صداقة لقرب بلديهما. ثم اتصل بالإمام نور الدين السالمي وكانت محطة بارزة في تكوينه العلمي؛ إذ لازمه وأخذ عنه، حتى غدا واحدًا من تلامذته المقربين. ثم انتقل من رحاب العلم إلى ميدان القضاء والولاية، وعندما وصل الشيخ العلامة إلى درجة علمية تؤهله لأن يتولى القضاء فكفله الإمام سالم بن راشد بذلك.

فتنقَّل بين عدد من ولايات عُمان، جامعًا بين المعرفة الفقهية وما يقتضيه القضاء من نظر وتثبّت. ولم تكن حياة الشيخ سيف الأغبري مقصورة على القضاء وحده، فقد خلّف آثارًا علمية وأدبية، وحفظت المصادر شيئًا من أخباره ومواقفه، كما بقي شعره شاهدًا آخر على جانب من شخصيته وفكره.

ومن الشواهد التي تكشف عنايته بالكتاب والعلم، ما وقفتُ عليه من نُسَخٍ خطيةٍ ارتبطت به؛ وهذه العناية تستحق أن تُقرأ في سياقها؛ فنسخُ الكتب عمل يحتاج إلى صبر ومتابعة، وفي حالة الشيخ الأغبري- رحمه الله- فإن وقوفه على نسخ الكتب بنفسه أو استعانته بمن يجيد النسخ ليوفر له كتابًا يحتاج إليه، وهنا تتكامل الصورتان؛ عالِمٌ ينسخ لنفسه، وعالم تُنسخ له الكتب.

مخطوط.jpeg
 

وفي كلتا الحالتين نجدُ الكتاب حاضرًا في حياته العلمية، لا بوصفه مقتنٍ فحسب، بل بوصفه أداة من أدوات التحصيل والبحث. فقد نسخ لنفسه كتاب "غاية المرام" تأليف العلامة الشيخ عامر بن خميس المالكي، وقال فيه: "قد كمل نسخ "غاية المرام" يوم الإثنين لثمانية عشر يومًا خلت من المحرم من سنة 1357 بحصن جرنان في عصر إمامنا محمد بن عبد الله الخليلي، والحمد لله كتبه لنفسه العبد لله سيف بن حمود بن شيخان الأغبري بيده والحمد لله وصلى الله على رسوله محمد وعلى آله وسلم".

وكذلك نُسخ له كتاب "منهج الطالبين وبلاغ الراغبين" وهو من تأليف الشيخ خميس بن سعيد الشقصي. وجاء فيه: "تم نُسخ هذا الكتاب وهو جزء الفرائض من منهج الطالبين وبلاغ الراغبين تأليف الشيخ العالم الفقيه خميس بن سعيد الشقصي الرستاقي -رحمه الله تعالى- والحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد النبي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا وذلك بيوم التاسع عشر من شهر رجب سنة 1337 وهو للشيخ العلامة سيف بن حمد بن شيخان الأغبري رزقه الله حفظه والعمل.. أنه على كل شيء قدير ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وكتب هذا العبد الضعيف الراجي عفو ربه الملك اللطيف زهران بن مسعود بن حبيب الشهيمي بيده في عصر الإمام العادل والهمام الفاضل سالم بن راشد الخروصي أبقاه الله ونصره على الدوام آمين".

مخطوط 2.jpeg
 

وهنا يمكننا القول إنَّ الشيخ الأغبري -رحمه الله- قدّم أنموذجًا جديرًا بالتأمل؛ وأن الأجيال السابقة قد بذلت جهدها في نسخ الكتب وحفظها، فإن من واجبنا اليوم أن نحفظ ما بقي من تلك الآثار.

والشيخ القاضي سيف بن حمد بن شيخان -رحمه الله- تُوفِي يوم 22 ذي القعدة 1380هـ الموافق 7 مايو 1961م وقد تجاوز السبعين، وترك وراءه العديد من المؤلفات والرسائل والأجوبة والقصائد الشعرية والمنظومات الفقهية والخطب المنبريّة، ومؤلفاته: (فتح الأكمام على الورد البسام)، و(فتح الرحمن في الكفارات والأيمان)، و(البدر السافر في صلاة المسافر)، و(عقد الدر المنظوم في الفقه والأدب والعلوم)، و(عقد الآلي السنية في الأجوبة النثرية).

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z