لن نُدرِّب الناس جميعًا.. فلنُحسن تدريب أنفسنا

 

 

 

 

د. بدر بن أحمد البلوشي

 

من أكثر ما يستنزف الإنسان في علاقاته أن يعيش محاولا تعليم الآخرين كيف ينبغي أن يتعاملوا معه.. يُريد من هذا أن يفهمه، ومن ذاك أن يُقدره، ومن ثالث أن ينتقي كلماته، ومن رابع ألا يتجاوز حدوده.

ومع الأيام يكتشف حقيقة بسيطة، لكنها شديدة الأهمية.. لن نستطيع تدريب كل الناس على الطريقة التي نحب أن يُعاملونا بها، لكننا نستطيع أن ندرب أنفسنا على الطريقة التي نتعامل بها معهم. وهنا يبدأ النضج الحقيقي.. وأنا أولكم في ذلك.. وما زلت أتعلم.. فما نكتبه عن الحياة ليس دائماً لأننا أتقنا دروسها، بل لأننا نعيشها، ونخطئ فيها، ونراجع أنفسنا، ونحاول كل يوم أن نصبح أكثر فهماً لأنفسنا وللناس من حولنا.

ليس المقصود أن نقبل الإساءة، ولا أن نصمت عن الحق، ولا أن نمنح الآخرين تصريحا مفتوحا لتجاوز حدودنا؛ فالتسامح لا يعني الضعف، والهدوء لا يعني الاستسلام، وحسن الخلق لا يعني أن يصبح الإنسان بلا موقف.. وإنما المقصود أن نتعلم كيف نأخذ حقنا، ونحفظ خُلقنا؛ فلا يكون دفاعنا عن أنفسنا سببا لأن نفقد أجمل ما في أنفسنا.

كثير من الناس يعرفون ماذا فعل بهم الآخرون، لكنهم لا يسألون أنفسهم.. ماذا فعل هذا الموقف بنا من الداخل؟ نغضب، فنرد.. نستفز، فنهاجم.. نشعر بالإهانة، فنبحث عن إهانة مضادة.. وكأن كل شعور يولد في داخلنا يجب أن يتحول فورا إلى سلوك.. وهذا ليس صحيحا.

النضج أن نفهم ما نشعر به، ثم نختار ما نفعله بهذا الشعور.. أن تقول لنفسك.. نعم، أنا غاضب، لكن غضبي ليس هو الذي سيكتب ردي.. نعم، هذه الكلمة آلمتني، لكن ألمي لن يقرر مستوى أخلاقي.. نعم، تعرضت لظلم، وسأطالب بحقي، لكنني لن أتحول بسبب الظلم إلى شخص ظالم.

إن المسافة القصيرة بين الشعور ورد الفعل قد تكون أحيانا المسافة الفاصلة بين الحكمة والندم.

وكم من كلمة قِيلت في دقيقة غضب، احتاج صاحبها سنوات لإصلاح أثرها.. وكم من علاقة هدمها رد لم يستغرق كتابته سوى ثوان.. وكم من إنسان كسب موقفا في لحظة، لكنه خسر احترامه وصورته وقيمته أمام نفسه والآخرين.. لذلك فإن تدريب النفس لا يعني كبتها، بل إدارتها؛ فالإنسان المتزن لا يلغي غضبه، وإنما يمنعه من قيادة المركبة.. ولا ينكر ألمه، لكنه لا يمنحه سلطة اتخاذ القرار.. ولا يتجاهل الإساءة، بل يختار لها الرد الذي يليق به قبل أن يليق بالمسيء.

وهنا تتغير فلسفة التعامل مع الناس.. بدل أن نقول: لماذا قال لي ذلك؟ نسأل: ما الرد الذي يحفظ حقي ومكانتي؟ وبدل أن نسأل: كيف أجعله يفهمني؟ نسأل: هل يستحق هذا الموقف أصلا أن أشرح نفسي؟ وبدل أن ننشغل بإجبار الآخرين على احترام حدودنا، نتعلم نحن كيف نضع تلك الحدود بوضوح، وكيف نغادر بهدوء عندما يجري تجاوزها باستمرار.

ليس كل نقاش يستحق أن نخوضه، ولا كل اتهام يحتاج إلى دفاع، ولا كل إساءة تستحق ردا، ولا كل شخص يملك حق الدخول إلى مساحتنا النفسية.

أحيانًا يكون الرد ضرورة.. وأحيانا يكون الصمت قوة.. وأحيانا تكون المواجهة هي الاختيار الصحيح.. وفي مواقف أخرى يكون الانسحاب أبلغ من ألف مواجهة.

الحكمة ليست في قاعدة واحدة نطبقها على الجميع؛ بل في القدرة على معرفة أي موقف يحتاج إلى أي تصرف.

ومن أكبر الأخطاء أن نربط قوة الشخصية بارتفاع الصوت، أو أن نعتقد أن المنتصر هو صاحب الكلمة الأخيرة؛ فقد يكون أقوى الناس في مجلس هو أكثرهم قدرة على ضبط نفسه، وقد يكون المنتصر الحقيقي هو الذي كان قادرا على الإساءة ثم اختار ألا يفعل.

الأخلاق لا تظهر فقط عندما يعاملنا الناس جيدا؛ ففي تلك الظروف يستطيع الجميع أن يكونوا لطفاء.. الاختبار الحقيقي للأخلاق يبدأ عندما نستفز، ونظلم، ونفهم خطأ، ونواجه شخصا لا يلتزم معنا بالقدر ذاته من الاحترام.

وهناك يظهر الفرق بين من تحكمه قيمه، ومن تتحكم به ردود أفعال الآخرين.

والمشكلة أننا حين نجعل تصرفات الناس هي التي تحدد تصرفاتنا، فإننا نسلمهم ـ من حيث لا نشعر مفاتيح شخصياتنا. ويصبح الآخر قادرا بكلمة أن يجعلنا غاضبين، وباستفزاز أن يجعلنا مسيئين، وبتجاهل أن يجعلنا مضطربين.. وهذا ثمن باهظ.

ليس المطلوب أن تصبح بلا مشاعر، وإنما ألا يصبح الآخرون أصحاب القرار في مشاعرك وسلوكك.. قل «لا» عندما ينبغي أن تقولها.. اعترض عندما يستوجب الأمر الاعتراض.. طالب بحقك كاملا.. صحح المعلومة الخاطئة.. ضع حداً لمن يتجاوز.. غادر العلاقة التي تستنزف كرامتك إن لم يعد إصلاحها ممكناً.

لكن افعل ذلك كله بطريقة تستطيع أن تنظر بعدها إلى نفسك باحترام؛ فالحقوق لا تحتاج إلى سوء خلق حتى تستعاد، والحزم لا يحتاج إلى قسوة حتى يكون مؤثرا، والهيبة لا تحتاج إلى تجريح حتى تُحفظ.

وقد نحتاج في حياتنا إلى أن نتوقف عن سؤال: «كيف أغير هذا الشخص؟» وأن نبدأ بسؤال أكثر فائدة: «كيف أتعامل معه دون أن أفقد توازني؟»

بعض النَّاس لن يتغيروا.. وسيظل المستفز مستفزا، والمتسرع متسرعا، وصاحب الظن السيئ يبحث عن تفسير سيئ، ومن اعتاد تجاوز الحدود سيُحاول تجاوزها مرات أخرى.

ولا يعني ذلك أن نستسلم لهم، وإنما يعني ألا نربط سلامنا الداخلي بانتظار أن يصبح الآخرون كما نريد.

إن أعظم أشكال الحرية النفسية أن تفهم أن الناس مسؤولون عن أخلاقهم، وأنت مسؤول عن أخلاقك؛ هم مسؤولون عن كلماتهم، وأنت مسؤول عن ردك؛ هم يختارون مستوى تعاملهم، وأنت تختار المستوى الذي يمثلك. وحين نصل إلى هذا الوعي، تصبح علاقاتنا أكثر هدوءا؛ لا لأن الناس تغيروا، وإنما لأننا تعلمنا أين نقف، ومتى نتكلم، ومتى نصمت، ومتى نسامح، ومتى نحسم، ومتى نغادر.

نحن لا نملك إعادة تشكيل البشر على مقاس توقعاتنا، ولن تسير الحياة دائما وفق الصورة التي نتمناها. لكننا نملك شيئا أثمن: أن نصنع استجابتنا، وأن نتحكم في خياراتنا، وأن نحمي كرامتنا من دون أن نخسر قيمنا.

ولعل أجمل قاعدة يمكن أن نحملها معنا في زحام العلاقات هي: لا تحاول أن تدرب كل الناس على كيفية التعامل معك؛ درب نفسك على كيفية التعامل مع الناس.. خذ حقك، واحفظ خُلقك.. افهم ما تشعر به، ثم اختر بوعي ما ستفعله بهذا الشعور.

وأقولها لنفسي قبل أن أقولها للآخرين: أنا أولكم.. وما زلت أتعلم. فما دام الإنسان حيا، فالتعلم لا يتوقف، ومراجعة النفس لا تنتهي، والنضج ليس محطة نصل إليها، بل رحلة نمضي فيها كل يوم؛ فليس النضج أن تصل إلى مرحلة لا يغضبك فيها أحد، وإنما أن تصل إلى مرحلة لا يستطيع فيها أحد، مهما استفزك، أن يختار نيابة عنك الشخص الذي ستكونه.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z