حمد الناصري
لم تكن السيادة على عباب المحيط المفتوح وبحاره العميقة يوما هبة مجانية تمنحها الصدف، بل كانت حكرا على من امتلك ناصية العلم الحقيقي والهندسة الفلكية التجريبية. وفي تاريخ الملاحة العالمية، برزت محاولات مستمرة من قبل المؤرخين البرتغاليين لصناعة زيف استعماري ينسب الريادة لخرائطهم، مدعين أن رحلاتهم الاستكشافية التجسسية مخرت عباب المحيط بعبقرية ذاتية، ومحاولين في الوقت نفسه تلويث سيرة أسد البحار العماني أحمد بن ماجد بن محمد السعدي. ويرتكز هذا الزيف في عمقه على محاولة البرتغاليين المستمرة لسرقة الريادة الملاحية العربية والعمانية، ونسب أمجاد لأنفسهم لم تكن لتتحقق لولا العلوم العربية والخرائط وأدوات الملاحة المتطورة، مثل الكمال والأسطرلاب، التي غنموها أو نسخوا علمها من بحارنا لمواجهة نظام الرياح الموسمي.
ومن هنا، تبرز نقطة الخلاف والمواجهة التاريخية عبر إلصاق فرية تاريخية واهية صاغها المؤرخ البرتغالي "جواو دي باروس" في كتابه "عقود آسيا" عام 1552م، زاعماً فيها أن المستكشف "فاسكو دي جاما" هو من قاد العبور في رحلته إلى الهند عام 1498م، وأن ابن ماجد هو من أرشده شخصيا من ماليندي إلى كاليكوت. وحسبما تثبته الصفحات الصريحة للمستشرق الفرنسي "غابرييل فيران" في مجلده الصادر بباريس عام 1922م بعنوان "الإرشادات البحرية والملاحية العربية والبرتغالية في القرنين الخامس عشر والسادس عشر"، فقد كتب نصا في مقدمته بالفرنسية ما تعريبه: «إن المواجهة بين النص العربي المعني والعلاقات البرتغالية في القرن السادس عشر تسمح لنا بالتأكيد بأن ابن ماجد كان هو الملاح الذي قاد أسطول فاسكو دي جاما عام 1498م من ماليندي إلى كاليكوت». وهو ذات الوهم الاستشراقي الذي عززه الروسي "ثيودور شوموفسكي" عام 1957م في كتابه الصادر عن الأكاديمية السوفيتية للعلوم بعنوان "ثلاث أراجيز مجهولة لأحمد بن ماجد ملاح فاسكو دي جاما العربي"؛ إذ زعم بالروسية ما ترجمته الأكاديمية: «إن قراءة هذه المنظومة البحرية الفريدة تقودنا إلى النتيجة ذاتها؛ وهي أن ابن ماجد كان هو الملاح العربي لفاسكو دي جاما الذي أخذ بيده وحمى سفنه حتى كاليكوت».
إن التفكيك الدقيق لهذه الفرية يبدأ من محاكمتها بوثائق مادية ملموسة ومنطق علمي غير قابل للجدال؛ فإذا رجعنا للمتون التاريخية التي تثبت ولادة أسد البحار العماني في حاضرة جلفار عام 1421م، فإن عمره في وقت تلك الرحلة عام 1498م كان قد ناهز السبعة وسبعين عاما. ومن الجنون المطبق والتهافت البحثي تصديق أن رجلا شيخا هرما في تلك السن المتقدمة يركب متن بحر العواصف والتيارات العميقة المخيفة في رحلة عسكرية شاقة تفتك أهوالها بالشباب الأقوياء؛ مما يؤكد أن هذه الأكذوبة البرتغالية الاستشراقية صنعت خصيصا لتجريد العقل العربي العماني من كبريائه المعرفي، ونسبة الفضل في كشف الطرق البحرية للأعاجم.
وتتبخر الأوهام البرتغالية كليا عند فحص الطرف الثاني في الادعاء، وهو ما يشاع عن بحار "غوجاراتي هندي" يزعمون أنه عاونهم في العبور؛ فالواقع التاريخي والجغرافي يقطع بأن الهند قاطبة في ذلك العصر كانت حضارة ذات امتداد بري وزراعي بامتياز، ولم تثبت صحة امتدادها أو سيادتها البحرية العسكرية على أعالي البحار. ومن هنا ينكشف الزيف حتى في التسمية الجغرافية؛ فإطلاق اسم "المحيط الهندي" جاء عنوة، بينما المنطق العسكري والتاريخي يؤكد بأن من يملك الأساطيل البحرية الضاربة ويسيطر على خطوط الملاحة في هذا المحيط العميق المفتوح — الذي هو المحيط العماني — كونه الأحق بالتسمية. ولذلك، فإن أي بحار إقليمي لم يكن ليقوى على مواجهة رعود وعواصف المحيط العميق وأنوائه المرعبة دون العلوم العمانية، ولم يبلغ أسطول البرتغاليين "رأس صخرة الدوران" بأي جهد ذاتي، بل ارتدوا خائفين وخاسئين أمام بحر لا يرحم إلا أسياده وصناع علومه.
ومن هنا ينبثق الموقف والتحليل المادي العسكري الدقيق الذي ينسف كافة تلك التقوّلات البرتغالية والاستشراقية؛ ففي ميزان المنطق العملي يتهاوى زعمهم كلياً؛ فكيف لعاجز تائه مثل فاسكو دي جاما — البالغ من العمر ثمانية وثلاثين عاما — الذي تحولت سفنه إلى ما يشبه الحطام المستسلم للموت عند "رأس صخرة الدوران" — التي حور الاستعمار اسمها من بعد ذلك إلى "رأس الرجاء الصالح" للتغطية على الانكسار الفادح وعجز سفنهم عن ركوب العباب — كيف له ولأساطيله المتهالكة، ثم لدليله الكجراتي الشاب القادم من بيئة برية تفتقر لعلم أعالي البحار، أن يعبروا بحر العواصف والتيارات المهلكة للمحيط العميق المفتوح، لولا أنهم اعتمدوا كليا على انقشاع علوم الملاحة الفلكية العمانية الماجدية التي أنقذتهم من الفناء المحتوم؟
وتكشف المتون التاريخية المنصفة في ميزان النقد العلمي زيف تلك السجلات العسكرية التي دونها قادة البحرية البرتغالية لاحقا؛ إذ تعمدوا طمس الحقائق لكي لا يعترفوا بفضل أسياد البحار العربية الأوائل وعلمهم الملاحي الذي سبق الغرب بقرون. وهذا دليل قاطع بالتحليل العلمي والمنطقي على أن فاسكو دي جاما والبحار الهندي كانا شابين لا خبرة لهما ولا قوة في علم البحار، فقد كانا تائهين في عرض البحر العميق؛ وأن علم أحمد بن ماجد ومتونه الملاحية المسروقة هي من دلتهما إلى النجاة وحذرتهما من السير وراء الصخرة خشية عليهما، فالعربي شريف، ناصع البياض وصادق في علمه الرائد. وأما ما جاء في ثنايا المخطوطة الرسمية (يوميات بحار مجهول) التي كشفها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي في بلدية بورتو البرتغالية ونشرها في كتابه "بيان للمؤرخين الأماجد في براءة ابن ماجد"، فإنه يقطع ببراءة أسد البحار العماني من تهمة الإرشاد المباشر لأعدائه، مؤكدا أن السجلات البرتغالية الأخرى لم تكن إلا نقلا منحازا صادرا عن بحارتهم، ليعبر عن حدود روايتهم الموجهة لحفظ كبرياء ملاحيهم العاجزين الذين ذهلوا حين رأوا دقة خرائط "مالمو كانا" المستمدة من أصول مدرسة "المعلم" العماني، أحمد بن ماجد.
خلاصة القول: ستبقى تقولات البرتغاليين وأباطيل المستشرقين واهية وعاجزة أمام صلابة الحقيقة المادية؛ وأن "فاسكو دي جاما" لم يفتح المحيط العميق باتساعه بشجاعة ودراية، بل كان عبوره المياه البحرية العميقة مستندا على عكاز العلم الراسخ للبحار العماني. وقد أثبت أحمد بن ماجد بالمنطق العسكري والميداني أن عُمان سادت البحار العميقة بعلم تجريبي حقيقي سبق الغرب بقرون، لتبخر أمواج المحيط العماني زيف الخرائط الاستعمارية، ويبقى ابن ماجد طودا شامخا يعكس أبهى قيم الأنفة والريادة العلمية العمانية العابرة للأزمان.
