المياه الآسنة برائحتها.. وشمس سمحان تفوح بعبير الورد واللُبان

 

 

 

سُلطان بن خلفان اليحيائي

في الحياة قممٌ تعلو ومياهٌ آسنةٌ تبقى في مواضعها. والقمم لا تحتاج إلى أن تلتفت إلى ما يدور في أسفلها لأنها تعرف قدرها. ومن يعتليها يرى أبعد ويستنشق هواءً أنقى ولا تبلغه روائح المياه الآسنة مهما زاد عددها واتسعت رقعتها.

وهكذا هي عُمان.

بلدٌ اختار منذ زمن أن يجعل حسن الجوار والاحترام المتبادل وعدم التدخل في شؤون الآخرين من ثوابت علاقاته وأن يجعل الحوار والوسائل السلمية سبيلًا لمعالجة الخلافات مع تمسّكه بسيادته واستقلال قراره.

وفي هذا السياق تأتي مواقف سماحة الشيخ الجليل أحمد بن حمد الخليلي، مفتي عام السلطنة-بارك الله في صحته وعمره- تجاه قضايا الأمة وفي مقدمتها فلسطين وغزّة بما تحمله من تعبير عن موقفٍ ديني وإنساني تجاه ما يجري من مآسٍ في أرض فلسطين المحتلة.

وليس من الحكمة أن يُطلب من عُمان أن تتخلى عن هدوئها كي ترضي أصواتًا اعتادت أن تقيس المواقف بارتفاع النبرة؛ فالقوة ليست دائمًا في رفع الصوت، والحكمة لا تحتاج إلى بهرجة مصطنعة كي تثبت حضورها.

وكأن لسان حال القمم يقول لأصحاب المياه الآسنة: إذا عجزت بعض الأصوات عن بلوغ القمة فإنها قد تحاول جرّ القمة إلى مستواها.

لكن القمة لا تهبط.

والمياه الآسنة لا ترتفع.

ورائحتها لأصحابها.

وقد تتبدّل الوجوه وتتغير العبارات وتتعدد المحاولات التي يُراد بها أن تُحمَّل عُمان ما لا يخصها أو أن تُربط بها روايات لا تقوم على أساس. وقد يحاول البعض أن ينصب لها الدوائر أو يحيك حولها من الكيد ما يظن أنه قادر على النيل من مكانتها أو التشويش على صورتها.

لكن عُمان التي عرفت طريقها لا تُبدّل خطاها كلما ارتفع صوت من أسفل الوادي.

هيهات.

هيهات أن تُسحب عُمان إلى غير موضعها أو أن تُشوَّه مواقفها بما لا يشبهها أو أن تُحمّل ما لا تحتمل من روايات تُراد بها الإساءة إلى سمعتها أو النيل من مكانتها.

فعُمان لم تبنِ حضورها على ردود الأفعال ولا صنعت سياستها على انفعالات اللحظة وإنما بنت نهجها على ثوابت راسخة: سيادةٌ لا تُساوَم واستقلالٌ في القرار واحترامٌ للآخر وحرصٌ على حسن الجوار وتمسّكٌ بالحوار والوسائل السلمية ورفضٌ للظلم والتعدي على الآخرين.

ومن أراد أن يقرأ عُمان فليقرأها من تاريخها ومواقفها لا من الروايات التي تُنسج حولها؛ فهذا البلد لم يحتج يومًا إلى أن يرفع صوته كي يُسمع ولم يحتج إلى أن يزاحم الآخرين كي يثبت حضوره. يكفيه أنه يقف حيث يرى أن الوقوف حق ويتحدث حين يكون للكلمة معناها ويصمت حين يكون الصمت أبلغ من الكلام.

وإذا كانت بعض المياه الآسنة لا تجد وسيلة للفت الأنظار إلا بنشر روائحها في كل اتجاه فإن القمم لا تجاريها لأنها لا تعرف إلا الارتفاع.

وعُمان كذلك.

كلما حاول البعض جرّها إلى مواضع التجاذب ارتفعت عنها وكلما أراد آخرون إلصاق ما يسيء إليها بقيت حقيقتها أرسخ من تلك المحاولات؛ فالمكانة لا تُبنى بمنشورٍ عابر ولا تهدمها روايةٌ مؤقتة والدول التي صنعت احترامها عبر عقود لا تفقده لأن بعض الأصوات قررت أن تنفخ في مياه آسنة.

وعُمان تعرف أن طريقها ليس طريق الخصومة مع أحد ولا طريق الارتهان لمواقف الآخرين وإنما طريق يحفظ لها سيادتها ويصون قرارها ويُبقي أبواب الحوار مفتوحة متى كان الحوار سبيلًا إلى تجنّب مزيدٍ من الصراع.

ولذلك فإن من يحاول أن يضع عُمان في غير موقعها أو أن يجعل منها طرفًا في ما لا شأن لها به إنما يقرأ المشهد من أسفل الوادي حيث تضيق الرؤية.

أما من يعتلي قمم شمس وسمحان فيرى المشهد أوسع. يرى عُمان كما هي: بلدًا شامخًا في موقعه هادئًا في نهجه ثابتًا في مبادئه لا تجرّه المياه الآسنة إلى أسفل ولا تحجبه محاولات التشويه عن أفقه.

ومن هذه القمم ترى عُمان ما وراء المشهد؛ ترى قضايا الأمة بعيون الإنسان قبل الحسابات وفي مقدمتها فلسطين وغزّة وترى أن الوقوف مع الحق لا يعني التخلي عن الحكمة وأن الحكمة لا تعني الصمت عن الظلم.

ولهذا تبقى مواقف سماحة الشيخ الجليل أحمد بن حمد الخليلي، مفتي عام السلطنة، تجاه قضايا الأمة وفلسطين وغزّة صوتًا دينيًا وإنسانيًا واضحًا يعبّر عن وجدانٍ يرى في نصرة المظلوم مسؤولية أخلاقية وعن قضيةٍ لا تسقط بالتقادم ولا تُمحى من الذاكرة مهما طال الزمن.

أما المياه الآسنة فستبقى حيث هي.

قد تتسع رقعتها وقد تتكاثر حولها الأصوات وقد تحاول أن تبلغ القمم برائحتها لكنها لن تبلغها؛ فالقمم لا تُقاس بما تحتها من مياهٍ آسنة وإنما بما يفوح على قممها من عبير الورد وعبق اللُّبان.

ومن يعتلي شواهق شمس وسمحان لا يستنشق إلا الهواء النقي ولا يرى إلا أفقًا أبعد ولا يلتفت إلى رائحةٍ تأتيه من أسفل الوادي.

وتلك هي عُمان.

قممٌ تعرف قدرها وتمضي في طريقها وتحفظ لأهلها كرامتهم ولو كثرت حولها الدوائر ومحاولات الكيد.

هيهات أن تهبط القمة إلى مستوى المياه الآسنة.

وهيهات أن تُنال عُمان بما يُحاك لها من رائحةٍ لا تشبه عبقها.

فمن شمس وسمحان حيث يصفو الهواء ويتعانق علوُّ القمم مع عبق اللُّبان تبقى عُمان كما عرفها أهلها: عاليةً عن الصغائر، ثابتةً في نهجها، عصيّةً على أن تُجرّ إلى حيث لا تريد.

الأكثر قراءة

z