هل السعادة المؤسسية مطلب استراتيجي أم رفاهية إدارية؟

 

 

 

د. سعيد الدرمكي

حين تعلن مؤسسة عن مبادرة للسعادة، يتبادر إلى الذهن تنظيم فعاليات ترفيهية أو تقديم مزايا إضافية للعاملين. ومع أهمية هذه الجهود، يبقى السؤال: هل تستطيع المؤسسة أن تصنع رضا مستدامًا إذا كانت تجربة الموظف اليومية تتسم بضغوط متكررة، أو غياب للإنصاف، أو ضعف في الدعم؟ من هنا يبدأ التمييز بين السعادة المؤسسية بوصفها مطلبًا استراتيجيًا، وبين اختزالها في مظاهر أقرب إلى الرفاهية الإدارية.

السعادة المؤسسية تنبع من بيئة عمل يشعر فيها العاملون بالتقدير والإنصاف، ويدركون قيمة أدوارهم، ويجدون فرصًا للتطور والمساهمة، وتكتسب أهميتها الاستراتيجية حين تسهم في الاحتفاظ بالكفاءات وتحسين جودة الأداء والخدمات. إلاَّ أن الشعور بالرضا وحده لا يكفي لتحقيق أداء أفضل؛ فحتى الموظف الراضي والشغوف بعمله يحتاج إلى أهداف واضحة، وقيادة داعمة، وموارد وصلاحيات تمكّنه من أداء مسؤولياته. ولذلك فإن الاستثمار في سعادة العاملين يشمل تحسين ظروف بيئة العمل، بحيث تتحول رغبتهم في المساهمة العملية إلى إنجاز فعلي.

ويبدأ هذا الاهتمام من العلاقة مع المسؤول المباشر؛ فالموظف يلمس قيم المؤسسة في طريقة توزيع العمل، وتقديم الملاحظات، ومعالجة المشكلات، وتقدير الجهود، وتؤثر هذه الممارسات اليومية في شعوره بالإنصاف والتقدير، وفي ثقته بالمؤسسة؛ إذ تشير تقديرات مؤسسة "جالوب" إلى أنه نحو 70% من التفاوت في مستويات اندماج العاملين بين فرق العمل يرتبط بالمسؤول، بما يبرز دوره في تشكيل تجربة الموظف، وعلى الرغم من أن الاندماج الوظيفي يختلف عن السعادة المؤسسية، إلاَّ أن هذه النتيجة تدعم أهمية الإدارة المباشرة في تهيئة بيئة عمل تسهم في تحقيقها.

ومن أبسطها مظاهر هذا الدور الإنصات للموظفين، ولا يعني ذلك الاستجابة لجميع مطالبهم، بل إتاحة المجال لهم للتعبير، ومناقشة مخاوفهم، وشرح أسباب القرارات بوضوح. ومع أهمية هذه الممارسات القيادية، يظل أثرها محدودًا إذا لم تسندها سياسات وقرارات مؤسسية عادلة، فقد يحظى الموظف بعلاقة جيدة مع مسؤوله، ثم يفقد ثقته عندما يرى تفاوتًا غير مبرر في توزيع الأعباء، أو غموضًا في معايير الترقية والتطوير. ولهذا لا يمكن فصل السعادة المؤسسية عن العدالة؛ فالتقدير يفقد معناه عندما تتناقض معه القرارات التي تمس حياة العاملين المهنية.

ومن هنا، تستطيع الفعاليات والمزايا أن تعزز تجربة إيجابية قائمة، لكنها لا تعالج وحدها شعورًا يوميًا بعدم الإنصاف؛ إذ قد تمنح الفعالية الموظفين لحظة ممتعة، ثم يعودون إلى المشكلات ذاتها، أما الأثر المستدام فيبدأ بمعايير واضحة، وقرارات يمكن تفسيرها، وفرص تتاح بإنصاف.

وإلى جانب هذه الأسس العادلة، يحتاج الموظف إلى تنظيم للعمل يتيح له أداء مهامه بكفاءة، فقد يشعر بالتقدير، لكنه يظل محبطًا إذا طُلب منه إنجاز مهام كثيرة في وقت غير كافٍ، أو تحمّل مسؤوليات دون الصلاحيات اللازمة، ويزداد هذا الإحباط عندما تعوقه إجراءات معقدة أو خطوات متكررة، أو تنقصه الأدوات والمعلومات التي يحتاج إليها، عندئذ يصبح تحسين بيئة العمل مرتبطًا بمراجعة الأعباء، وتوضيح المسؤوليات، وتبسيط الإجراءات، وتوفير الموارد المناسبة.

ومن التجارب البارزة في تنظيم العمل؛ تجربة مجلس مقاطعة جنوب كامبريدجشير، الذي بدأ في عام 2023 تنفيذ أسبوع عمل من أربعة أيام، ويذكر المجلس أن التجربة صاحبتها زيادة في ارتباط الموظفين بالمؤسسة ورغبتهم في الاستمرار فيها، كما أظهر تقييم مستقل نُشر في يوليو 2025 أن أداء 21 خدمة من أصل 24 خدمة خضعت للقياس تحسّن أو حافظ على مستواه، حيث تقدم هذه التجربة مثالًا على إمكانية تحسين تجربة الموظف والحفاظ على مستوى الخدمات من خلال مراجعة تنظيم العمل.

وتكمن صلة هذه التجربة بالسعادة المؤسسية في الاهتمام بظروف العمل وأثرها في العاملين، إلى جانب متابعة جودة الخدمات. فالرغبة في البقاء مؤشر يساعد على فهم تجربة الموظفين، لكنه لا يكفي وحده لإثبات تحقق السعادة، كذلك، لا يمكن نسبة النتائج إلى تغيير نظام العمل وحده، أو افتراض ملاءمة هذا النظام لجميع المؤسسات.

وفي ضوء هذه التجربة، يبرز سؤال أمام المؤسسات العُمانية: كيف يمكن تحسين تجربة الموظف وتنظيم العمل على نحو يلائم طبيعة أنشطتها، ويعزز رضا العاملين وقدرتهم على الإنجاز، مع الحفاظ على جودة الخدمات؟

وللإجابة عن هذا السؤال، ينبغي البدء بفهم المشكلات الفعلية التي يواجهها العاملون، فلا يكفي أن تسأل المؤسسة موظفيها: "هل أنتم سعداء؟"، بل ينبغي أن تسأل عمّا يساعدهم على أداء عملهم، وما يرهقهم، ومدى وضوح أدوارهم، وعدالة القرارات، وتوافر فرص التطوير. ويمكن لاستطلاعات قصيرة وحوارات منتظمة أن تكشف جوانب لا تظهر في التقارير الإدارية، وتساعد المؤسسة على تحديد أولويات التحسين.

وتكتمل هذه الصورة بقراءة مؤشرات دوران العاملين والغياب والشكاوى ونتائج مقابلات مغادرة الخدمة، مع مراعاة سياقها. فارتفاع الغياب لا يثبت وحده وجود مشكلة في السعادة المؤسسية، كما أن انخفاض الشكاوى لا يعني بالضرورة رضا العاملين؛ فقد يعكس أحيانًا ترددهم في التعبير أو ضعف ثقتهم في جدوى الشكوى.

غير أن قيمة القياس تتحدد بما تفعله المؤسسة بعده؛ فإذا طُلب من الموظفين إبداء آرائهم دون أن يروا استجابة واضحة، فقد تتراجع ثقتهم في هذه العملية، أما حين تطلعهم المؤسسة على المشكلات التي رصدتها، والإجراءات التي اتخذتها لمعالجتها، وما تعذر تنفيذه وأسبابه، فإن المشاركة تصبح مدخلًا للتحسين، وحين يلمس العاملون أثر آرائهم في قرارات ملموسة، تتعزز ثقتهم في جدية المؤسسة.

السعادة المؤسسية، إذن، حصيلة مترابطة لجودة القيادة، وعدالة الممارسات، وحسن تنظيم العمل، والاستجابة لصوت العاملين. وحين تدمج المؤسسة هذه العناصر في قراراتها اليومية، وتتابع أثرها في العاملين والأداء، تصبح السعادة مطلبًا استراتيجيًا، أما حين تكتفي بفعاليات عابرة دون معالجة أسباب الإحباط، فإن جهودها في هذا المجال تظل أقرب إلى الرفاهية الإدارية، وهذا ما يجعل السؤال المطروح على المؤسسات العُمانية متعلقًا بجودة قراراتها اليومية، لا بعدد المبادرات المعلنة.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z