د. عبدالله باحجاج
نقتبس عبارة "النجد شمس من حجر" من كتاب "صفحات من تاريخ بادية ظفار" للدكتور الشيخ سعيد بن سليم غواص الكثيري؛ حيث يقول: "اليوم يرى البدوي على ترابه شمسًا من حجر تلمع على جميع الأحجار، فتُخرِج من تحت التراب شيئًا يشد العالم..".
وقد كانت لي قراءة عميقة لهذا الكتاب لم ترَ النور في الأمسية الثقافية الكبيرة التي عقدت مؤخرًا لتدشين 4 كتاب للمؤلف؛ وذلك بسبب ظروف خاصة بي حالت دون ذلك، ويشكل ذلك غصة كلما تذكرت هذه الأمسية، لأن قراءتي لها كانت من خارج الصندوق، وبعيدًا كل البعد عن تلخيص الكتاب أو نقده، وقد تبنيت في القراءة ما يعرف بـ"القراءة الاستبطانية" أو "التذوق الفكري"؛ حيث يتحول القارئ من مُتلقٍ الى شريك في إنتاج المعنى واستنطاق دلالات النص ومضامينه، وخرجت منها بامتدادات معرفية تلهم أفكارا وتطرح تساؤلات.
ومن هذه العبارات التي استوقفتني تلكم العبارة "شمس من حجر..." صورة بديعة، وقد وُفِّقَ المؤلف فيها كثيرًا، وهي تحمل الكثير عما يريد قوله المؤلف؛ فالشمس مصدر الضوء والطاقة، لكن المؤلف يقول "شمسًا من حجر"؛ أي الشمس هنا ليست في السماء وإنما مدفونة في أرض النجد، وطبعًا المقصود هنا النفط والغاز؛ لأنَّ النفط نفسه مادة سوداء، لكنه أصبح مصدرًا للنور والعمران والحركة والرفاه أي تلمع على جميع الأحجار، الحجر الذي كان جزءًا من البيئة الصحراوية، والذي قد يبدو بلا قيمة اقتصادية في الحياة القديمة أصبح في عصر النفط والغاز محاطًا بأثر هذه الثروة، أي أعاد تشكيل قيمة المكان كله وهذه العبارة تختصر التحول الذي طرأ في البادية.
وعندما كنت أفكر في الكتابة عن قلق المزارعين التقليديين في النجد من إقامة شركة النجد الزراعية، وهو قلق مشروع، وجدت عبارة "شمس من حجر" تحاججني للاستدلال بها في موضوع كتابة المقال؛ مما بدا لي هنا أنني أقدم وصفًا أو توصيفًا آخر للنجد في إطار سياق المؤلف؛ وأن هناك شمسان في النجد، إحداهما، شمس من حجر تُنير اقتصاد الطاقة، وتقود التحول في البلاد منذ عام 1970، والأخرى "شمس من غذاء" تبني اقتصاد البلاد المستدام. وهذا تصوير أو توصيف استراتيجي للنجد الظفاري. ويظل المكان واحدا؛ وهو النجد، ويخرج منه ثروتان "شمس من حجر" وهي النفط والغاز والثروات الجيولوجية، و"شمس من غذاء" الأرض والمياه والزراعة والإنتاج الغذائي.
ومدينة النجد الزراعية ليست مشروعًا زراعيًا فحسب؛ بل مشروع وطني قادر على أن يلتقي عنده الأمن الغذائي وتنويع الاقتصاد، والتصنيع، والتوظيف، والاستثمار، والتصدير. ويمكن تقسيم الصناعة المرتبطة بالمدينة الزراعية إلى: مصانع التصنيع الغذائي والقيمة المضافة؛ أي تحوُّل المحاصيل المُنتجَة في النجد الى منتجات غذائية بدلًا من بيعها كمحاصيل خام، وكذلك مرافق ومصانع ما بعد الحصاد، كالفرز، والتنظيف، والتجهيز، والتعبئة، والتغليف، والحفظ، وكذلك الصناعات المرتبطة بمدخلات الزراعة لتوفير بعض المستلزمات والخدمات الإنتاجية للمزارع، وكذلك التخزين وسلاسل التبريد والخدمات اللوجستية، وهي ضرورية لكي تتحول منطقة النجد إلى مركز إنتاج وصناعة وتسويق وليس مجرد منطقة زراعية، ويُتوَقَّع أن تُقام فيها عدة مصانع مثل الألبان والتمور والخضراوات والبصل والبطاطس والثوم والشمام، وصناعات تحويلية أخرى مثل الكاتشب وتجفيف الفواكه وتصنيع الأدوات والمعدات الزراعية.
وستقام المدينة الزراعية- الصناعية المتكاملة في ولاية ثمريت على مساحة 54 مليون متر مربع باستثمارات تقديرية تصل الى أكثر من 903 ملايين ريال، على 3 مراحل حتى عام 2060. وهذه فترة زمنية طويلة جدًا، وقد طالبنا في مقالات سابقة الإسراع في إقامتها عبر تقليل الفترة الزمنية؛ فالسياقان الزمني والجيواستراتيجي يُحتِّمان استغلال الظروف الراهنة المواتية. ومنطقة النجد بموقعها يمكن أن تكون سلة غذاء خليجية إقليمية؛ فموقعها يُعطيها بُعدًا تجاريًا يتجاوز السوق المحلي؛ فهي قريبة من الطرق المؤدية إلى المملكة العربية السعودية واليمن ومعابر مقشن والمزيونة، كما أنها على اتصال بالمراكز اللوجستية كمينائي صلالة والدقم.
وهنا نرى أن النجد الظفاري يُقدِّم نفسه بمسارين استراتيجيين: النفط والغاز والأمن الغذائي. ولذا نقترح تغيير مسمى مدينة النجد الزراعية إلى "مدينة النجد الاقتصادية الزراعية"، بحيث تكون الزراعة نُقطة الانطلاقة لعملية إنتاج كبيرة تؤدي إلى صناعات وتخزين ونقل وتسويق وتصدير وخدمات، يجد فيها المزارعون التقليديون أنفسهم في صلب هذا التحول؛ ليكونوا شركاء أساسيين في المنظومة الاقتصادية وليسوا ضحية التحديث والتطوير، شركاء من خلال عقود شراء مُسبقة لمحاصيلهم، وخدمات زراعية مشتركة، وتقنيات ري حديثة، وإرشاد وتسويق وتمويل ومصانع تشتري إنتاجاتهم، وشركات مساهمة زراعية يمتلك المزارعون جزءًا منها، وهنا يتحول المزارع من مُنتِج صغير يعمل منفردًا إلى حلقة في اقتصاد كبير، إذا ما تم التفكير في إقامة مدينة الصناعات الغذائية.
ويظهر النجد بصورة واضحة الآن كمشروع وطني ينبغي أن يحتوي المزارع التقليدي ويستقطب الاستثمار وينشئ المصانع، ويخلق فرصًا كبيرة ومستدامة للشاب العُماني، ويُعزِّز أمننا الغذائي، ويُضيف قيمة حقيقية الى الاقتصاد العُماني، والنجد يمنحنا الآن قناعة بأن بعض حلولنا الكبرى أقرب إلينا مما نتصور، ننتظر أن نكتشفها ونؤمن بها، ونبدأ المستقبل، ومن المؤكد أننا سنكتشف فيها أيضًا شمسًا ثالثة ورابعة وخامسة. الأهم الذي ينبغي أن ينصب عليه التفكير أن عنصر الزمن بات جزءًا من نجاح أي مشروع وطني كبير، وهنا ندعو إلى استعجال الجهود في إقامة المدينة الاقتصادية الزراعية في النجد؛ فالتأخير قد يؤدي إلى تغيير الأولويات وفقدان فرص الاستثمار، وربما انتقال الميزة التنافسية إلى مشاريع أو دول أخرى.
