حيدر بن عبدالرضا اللواتي
كثرت في الآونة الأخيرة المواضيع التي تنشرها وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي حول معاناة بعض المؤسسات الصغيرة التي يُديرها العُمانيون، والتحديات التي يواجهونها في أعمالهم اليومية. وهنا يأتي الدور الحكومي للتقليل من الآثار السلبية التي تتعرض لها هذه المؤسسات والتي يمكن حلها من خلال تقليل الاجراءات وتسهيل المهام لها لحين تمكينها من تحقيق النجاح والاستدامة.
عدد هذه المؤسسات المسجلة لدى هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة "ريادة" بلغ في نهاية العام لماضي 130359 مؤسسة منها 110479 مؤسسة صغيرة متناهية، و18804 مؤسسات صغيرة، و1076 مؤسسة متوسطة. وهذه المؤسسات يتم تقييمها على أساس إيراداتها السنوية وعدد العمال الذي يعملون لديها. وهنا نشير إلى أهمية توحيد الإحصاءات التي تنشرها الجهات المعنية حول هذه المؤسسات؛ حيث إن هناك أرقامًا متغايرة، فيما تنشره هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة "ريادة" وما ينشره المركز الوطني للإحصاء والمعلومات، ووزارة التجارة والصناعة والاستثمار وغرفة تجارة وصناعة عُمان وغيرها من المؤسسات المعنية بهذه المؤسسات المهمة. بعض البيانات توضّح أن عدد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة المسجلة على مستوى سلطنة عُمان بلغ 270 ألف مؤسسة منها أكثر من 130 ألف مؤسسة مسجلة لدى هيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة "ريادة".
ومما لا شك فيه أنَّ معظم هذه المؤسسات تواجه اليوم تحديات وصعوبات عدة بعضها تتعلق بالأسواق والأعمال، وحاجتها إلى الحصول على بعض العقود والمناقصات الحكومية الصغيرة لمشترياتها اليومية للاستمرار؛ الأمر الذي يُعطيها الأمل في البقاء وتسديد ما عليها من الديون للمؤسسات المصرفية والتمويلية. ومن التحديات الأخرى التي تواجه هذه المؤسسات، تتعلق بارتفاع تكاليف التشغيل من الرسوم ومتطلبات التعمين الذي فرض عليها؛ الأمر الذي يتطلب إيجاد حلول لها في عملية تحقيق التوازن في بيئة الأعمال، بجانب معاناتها في توفير رأس المال العامل والسيولة أثناء التشغيل، ما دفع الهيئة المعنية إلى إطلاق بعض البرامج لتمكينها في هذا الشأن ومساعدتها في تمويل رأس المال العامل والعقود والصادرات وغيرها. ويتطلب هذا الأمر إيجاد سياسات وتشريعات واتخاذ إجراءات سهلة تكفل لها الحصول على التراخيص والممكنات الداعمة لها.
ويرى البعض أن حلول هذه المؤسسات تكمن في تخصيص فرص أعمال حقيقية لها بحيث يتم تنفيذ قرارات وزارة المالية بتحويل 10% من المشتريات والمناقصات الحكومية المخصصة لها إلى هذه المؤسسات الصغيرة، وتوزيعها جغرافيًا للمستفيدين، بجانب التسريع في دفع مستحقات هذه المؤسسات لأنها لا تستطيع تحمّل انتظار طويل مثل الشركات الكبيرة. ومن الضرورة أيضًا تخفيض الأعباء على هذه المؤسسات في سنواتها الأولى من العمل؛ كدراسة تأخير نظام الرسوم والضرائب لحين تمكينها من تحقيق الأرباح؛ أي أن يتم ربط العبء الاقتصادي لها بقدرتها الفعلية على تحمله في السنوات الأولى، اضافة إلى معالجة موضوع "التعمين" بطريقة تُراعي حجم المؤسسة وإيراداتها وطبيعة نشاطها، وتسهيل عمليات التمويل لها لدعم تمويل رأس المال العامل، وعمليات تمويل العقود والفواتير، وتقديم ضمانات القروض وتمويل الصادرات، وتوجيهها في العمل التقني، علاوة على مساعدتها على عمليات التصدير؛ باعتبار أن السوق العُماني محدود نسبيًا لبعض الأنشطة وذلك من خلال توفير برامج متخصصة لمساعدتها للوصول إلى الأسواق الخارجية لبيع منتجاتها الغذائية والحرفية والسمكية والخدمات التقنية واللوجستية.
هذه الحلول سوف تساعدها في عملية الاستمرار وزيادة مبيعاتها السنوية وتشغيل مزيد من العمالة الوطنية، ورفع مستوى حجمها من مؤسسة صغيرة إلى متوسطة، ونجاحها في زيادة القيمة المحلية المضافة لها. وهذا المسار هو الذي يجعل المؤسسات الصغيرة أداة حقيقية لتنويع الاقتصاد وتوفير فرص العمل، بدلًا من أن تبقى بعض المشروعات في دائرة البقاء المحدود أو تتوقف بعد سنوات قليلة. علينا اليوم ألّا ننظر فقط إلى عدد هذه المؤسسات، ولكن علينا أن نجعها قادرة على الاستمرار والنمو والتحوّل إلى شركات منتجة ومنافسة.
إننا نؤمن أن الحكومة تولي هذه المشاريع أهمية كبيرة لأنها تمثّل جزءًا أساسيًا من الاقتصاد، وليس فقط باعتبارها مشاريع محدودة الحجم؛ فهذه المشاريع قادرة في المستقبل على توفير فرص العمل للشباب، وتنويع الاقتصاد وتقليل الاعتماد على القطاعات التقليدية أو الشركات الكبرى في الخارج، وذلك من خلال دفعها للدخول في المجالات الاقتصادية المختلفة، إضافة إلى قدرتها على تشجيع العمل الحُر وريادة الأعمال، ومنح الأفراد فرصة للانتقال من البحث عن وظيفة إلى إنشاء مشاريع خاصة بهم، وتوفير وظائف للآخرين؛ مما يعزز ثقافة المبادرة والاستقلال الاقتصادي. كما يمكن لها تنمية المحافظات والمناطق، وزيادة الإنتاج المحلي، وتوفير خدمات عديدة للمؤسسات الكبيرة، وتحقيق قدر من العدالة الاقتصادية من خلال تمكين أصحابها امتلاك أصول ومشروعات ومصادر دخل أخرى.
