حسين الراوي
ليس دقيقاً ما يُقال عن القدر أنه موكَّل بالمنطق، فهذه العبارة، على ما فيها من جاذبية، تختزل عالماً أوسع في قالبٍ ضيّق. المنطق الذي نملكه ليس إلا أداة بشرية محدودة، تقيس بما تراه وتُفسِّر بما اعتادت عليه، بينما القدر يمضي في مساراتٍ لا تخضع لهذه المقاييس الصغيرة. كم من أمرٍ حسبناه مستحيلاً فوقع، وكم من نتيجةٍ بدت حتمية فتبددت، وكأن الحياة تعيد تذكيرنا بأن قوانينها أعمق من حساباتنا.
ومن هذا الفهم القاصر، وُلدت قناعة أخرى لا تقلّ اختزالاً، حين يظن بعضهم أن الكلمات وحدها تُنشئ الأقدار، فيحذّرون الناس من أي قولٍ سلبي عن أنفسهم، وكأن الألسنة تصنع المصائر على نحوٍ مباشر. فيُطلب من الإنسان أن يراقب عباراته لا بوصفها تعبيراً عن حاله، بل خوفاً من أن تتحوّل إلى واقعٍ محتوم. وهنا يتحوّل المعنى من وعيٍ إلى قلق، ومن حكمةٍ إلى توهّم، كأن القدر ينتظر زلّة لفظٍ ليُوقّع عليها بالعاقبة.
والأدقّ من ذلك أن العبارة المتداولة نفسها ليست على هذا النحو أصلاً؛ فالصيغة الأقرب إلى أصلها جاءت بلفظ: «البلاء موكَّل بالقول» أو «بالمنطق»، لا «القدر». وما شاع اليوم من ربط القدر بالمنطق إنما هو تحريفٌ شائع أو نقلٌ بالمعنى غيَّر دلالة العبارة ومسارها. ثم إن هذه المقولة ليست حديثاً ثابتاً مرفوعاً إلى النبي ﷺ، بل إن الروايات التي نُسبت إليه في هذا الباب ضعيفة أو موضوعة، وقد بيّن ذلك غير واحد من أهل العلم. فقد أوردها ابن الجوزي في كتابه «الموضوعات» وحكم بعدم صحتها، وذكر أن في إسنادها من عُرف بالكذب والوضع، فلا يصح الاحتجاج بها. وأقصى ما يمكن أن تُحمل عليه أنها من قبيل الآثار الموقوفة أو الأمثال السائرة التي جرت على ألسنة العرب، لا نصّاً دينياً مُلزِماً.
ليس في هذا إنكار لأثر الكلمة، فالكلمات قد تبني نفساً أو تُثقلها، وقد تفتح باب الأمل أو تغلقه، لكن الخلط بين أثرها النفسي وبين سلطةٍ غيبية مطلقة يُحمِّلها ما لا تحتمل. ليس كل ما يُقال يُقدَّر، ولا كل ما يُخشى يقع، وإلا لتحوّلت الحياة إلى ساحة حذرٍ دائم من أنفسنا قبل العالم.
القدر ليس فوضى، لكنه أيضاً ليس أسير عقولنا ولا رهين ألفاظنا. هو امتداد لحكمةٍ أوسع من إدراكنا، ونحن لا نُديره بكلماتنا، بل نحاول أن نفهمه بعد أن يقع. نلملم شتاته ونربط خيوطه، فنكتشف متأخرين أن ما بدا خارج المنطق لم يكن إلا جزءاً من نظامٍ أكبر لا نراه كاملاً. وهنا تتواضع الفكرة أمام الحقيقة: ليس كل ما لا نفهمه بلا معنى، بل لعل المعنى كله يكمن فيما عجزنا عن تفسيره في حينه.
