الرؤية- ريم الحامدية
يرى أحمد بن سعيد كشوب، رئيس ومُؤسس مكتب المؤشر للاستشارات، أن القرارات الجديدة الصادرة عن جهاز الضرائب بشأن السلع والمنتجات الخاضعة لضريبة القيمة المضافة بمعدل الصفر في المائة، تمثل خطوة ذات أبعاد تتجاوز المعالجة الضريبية المباشرة، بالنظر إلى امتدادها إلى الغذاء والأدوية والتجهيزات الطبية البشرية والبيطرية، وما يرتبط بهذه القطاعات من سلاسل إنتاج وإمداد وأمن غذائي وصحي.
وأوضح- في تصريحات لـ"الرؤية"- أن قراءة القرارات الثلاثة ينبغي ألا تتوقف عند عدد البنود الواردة في القوائم، وإنما يجب أن تنطلق من تحديد السلع التي تغيرت مُعاملتها الضريبية فعليًا، والتمييز بينها وبين السلع التي كانت خاضعة أصلًا لمعدل الصفر واستمرت معاملتها كذلك، مشيرًا إلى أن زيادة عدد البنود تعكس في جانب منها مزيدًا من التفصيل في التصنيف الجمركي، ولا تعني بالضرورة انتقال جميع البنود الجديدة من معدل 5% إلى معدل الصفر.
وبيّن أن القرار المتعلق بالسلع الغذائية، والذي يرفع عدد بنود التعرفة الجمركية المشمولة بالقائمة إلى 807 بنود مقارنة بـ513 بندًا في القائمة السابقة، يستدعي قراءة أكثر دقة من مجرد احتساب الزيادة العددية، إذ قد تكون بعض البنود الجديدة نتيجة إعادة تصنيف وتفصيل للسلع بحسب أنواعها أو استخداماتها أو مواصفاتها، في حين أن الأثر المالي الحقيقي يرتبط بالسلع التي تغيرت معاملتها الضريبية بالفعل.
وأضاف أنَّ أهمية القرار الغذائي تكمن في اتساع دائرة أثره المحتمل، إذ لا ترتبط القائمة بالسلع التي تصل مباشرة إلى المستهلك فحسب، وإنما تشمل كذلك منتجات ومدخلات ترتبط بسلسلة الإنتاج الغذائي، الأمر الذي يجعل أثر معدل الصفر في المائة مرتبطًا بالمزارع والمربي والمصنع والمستورد والمورد، إلى جانب المستهلك النهائي.
وأشار كشوب إلى أن انتقال سلعة من معدل 5% إلى معدل الصفر يمكن أن يخفض التكلفة الضريبية المباشرة، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة انخفاض سعر البيع النهائي بالنسبة نفسها، لأن السعر يتأثر بمجموعة من العوامل تشمل تكاليف الاستيراد والإنتاج والنقل والتخزين وهوامش الربح ومستويات المنافسة والعرض والطلب.
وأكد أن المعيار الحقيقي للقرار بالنسبة للمستهلك سيكون في مدى انتقال الوفر الضريبي إلى الأسعار، داعيًا إلى قياس الأسعار قبل التطبيق وبعده للسلع التي ثبت تغير معاملتها الضريبية، حتى يمكن تحديد الأثر الفعلي بعيدًا عن الأثر النظري للضريبة.
وفيما يتعلق بالقرار الخاص بالأدوية والتجهيزات الطبية البيطرية، أوضح كشوب أن أهمية هذا الجانب تتجاوز خفض تكلفة بعض المنتجات المستخدمة في العلاج، لتصل إلى دعم استمرارية الإنتاج الحيواني والوقاية والتحصين، وبالتالي تعزيز إحدى حلقات الأمن الغذائي.
وقال إنَّ إدراج اللقاحات والمنتجات المناعية والأدوية والمستلزمات البيطرية ضمن قائمة السلع الخاضعة لمعدل الصفر يمكن أن يكون له أثر على تكلفة الرعاية الصحية للحيوانات، إلا أن حجم هذا الأثر سيظل مرتبطًا بوزن هذه المدخلات داخل هيكل التكلفة الكلي للمنتج الحيواني، في ظل وجود تكاليف أخرى تشمل الأعلاف والطاقة والمياه والنقل والأجور والتمويل وغيرها.
ولفت إلى أن الربط بين الصحة البيطرية والأمن الغذائي يمثل جانبًا مهمًا في قراءة القرار، فاستدامة الإنتاج الحيواني لا تبدأ عند وصول المنتج إلى الأسواق، وإنما تبدأ من صحة القطيع والوقاية من الأمراض والقدرة على المحافظة على مستويات إنتاج مستقرة.
أما في قطاع الصحة البشرية، فأشار كشوب إلى أن القرار لا يقتصر على الأدوية بالمعنى التقليدي، وإنما يمتد إلى مجموعة من التجهيزات والمستلزمات والمنتجات المرتبطة بالتشخيص والعلاج والرعاية الصحية، ما يجعل أثره محتملًا على نطاق أوسع من فاتورة الدواء التي يتحملها المستهلك.
وبيّن أن معدل الصفر في هذا المجال يمكن أن يخفف العبء الضريبي المرتبط بعدد من المنتجات والتجهيزات الطبية، كما قد ينعكس على المستوردين والموردين والمنشآت الصحية، إلا أن تحديد الأثر الاقتصادي الفعلي يتطلب النظر إلى المعاملة السابقة لكل منتج، وشروط تطبيق معدل الصفر، وتصنيفه الجمركي والجهة المختصة بالإفراج عنه.
وأكد كشوب أن القطاع الخاص سيكون أحد الأطراف الرئيسية في مرحلة تطبيق القرارات، ليس فقط من زاوية التكلفة، وإنما كذلك من زاوية السيولة ورأس المال العامل والامتثال الضريبي، موضحًا أن المنشآت المسجلة ضريبيًا تتعامل مع ضريبة المدخلات وفق الأحكام المنظمة، وبالتالي فإن أثر الانتقال إلى معدل الصفر قد يظهر في توقيت التدفقات النقدية ودورة رأس المال العامل بقدر ما يظهر في التكلفة النهائية.
وأضاف أن زيادة مستوى التفصيل في بنود التعرفة الجمركية تفرض على الشركات والمستوردين تحديث أنظمتها وقواعد بياناتها، والتأكد من مطابقة السلع للرموز الجمركية المحددة وشروط الاستفادة من معدل الصفر، خصوصًا في المنتجات الطبية والبيطرية التي ترتبط كذلك بإجراءات الإفراج والموافقات من الجهات المختصة.
وفي الجانب المالي، يرى كشوب أن وجود أثر على الإيرادات العامة أمر متوقع بالنسبة للسلع التي تنتقل فعليًا من معدل 5% إلى معدل الصفر، إلا أن تقدير حجم هذا الأثر لا يمكن استخلاصه من عدد البنود وحده، وإنما يحتاج إلى بيانات دقيقة حول قيمة الواردات والمبيعات وحجم الاستهلاك والاستخدام النهائي ومدخلات الإنتاج والمعالجة الضريبية السابقة لكل سلعة.
وأشار إلى أن الرقم 807، على سبيل المثال، لا يمكن اعتباره مؤشرًا مباشرًا على مقدار الإيرادات التي ستتأثر، كما لا يمكن اعتبار كل بند من البنود البيطرية أو الطبية انتقالًا جديدًا من معدل 5% إلى الصفر، ما لم تثبت المقارنة بين المعالجة السابقة والجديدة ذلك بصورة فعلية.
ويرى كشوب أن القيمة الاقتصادية الأوسع للقرارات الثلاثة تظهر في ترابط القطاعات التي تستهدفها؛ فالغذاء يرتبط بالإنتاج وسلاسل الإمداد، والصحة البيطرية ترتبط بالإنتاج الحيواني والأمن الغذائي، والصحة البشرية ترتبط بالأدوية والتشخيص والعلاج والتجهيزات الطبية.
وأضاف أن هذه الترابطات تجعل تقييم القرارات بحاجة إلى مؤشرات تتجاوز قياس الحصيلة الضريبية، لتشمل تطورات أسعار السلع، وتكلفة الإنتاج، وتنافسية المنتج المحلي، وحجم الواردات، والتدفقات النقدية للقطاع الخاص، ومدى انتقال الأثر إلى المستهلك.
وأكد أن الفترة التالية لبدء التطبيق في الأول من أكتوبر ستكون الأهم في اختبار الأثر الحقيقي للقرارات، إذ ستكشف حركة الأسعار والمعاملات التجارية وسلوك الشركات والموردين والمستهلكين عن مقدار ما انتقل من الأثر الضريبي النظري إلى أثر اقتصادي ملموس.
وخلص كشوب إلى أن نجاح معدل الصفر بالمائة لا يقاس باتساع القوائم أو ارتفاع عدد البنود، وإنما بما يحدث فعليًا في السوق بعد التطبيق؛ من حيث كلفة الغذاء، واستمرارية الإنتاج، وتكلفة الرعاية الصحية، وسيولة القطاع الخاص، ومدى انعكاس المعاملة الضريبية الجديدة على المستهلك والاقتصاد بصورة عامة.
