نحو بناء صناعة عربية للمحتوى الرقمي بمعايير دولية (9-9)

 

◄ صناعة المحتوى الرقمي العربي: التحديات والفرص

عبيدلي العبيدلي

الخاتمة: من كثافة النشر إلى سيادة القيمة

تقف صناعة المحتوى العربي اليوم عند مفترق حاسم بين اتساع غير مسبوق في حجم النشر، وبين قصور واضح في تحويل هذا الاتساع إلى قيمة اقتصادية ومعرفية وثقافية مستدامة. فالسوق الرقمية تتوسع، والجمهور العربي أكثر اتصالًا، والاستهلاك المتزايد للموسيقى والبث المرئي والألعاب والمنصات الاجتماعية والكتب الصوتية يفتح مجالات واسعة أمام المبدعين والشركات. كما أن عددًا متزايدًا من الدول العربية يضع الصناعات الإبداعية والاقتصاد الرقمي ضمن استراتيجياته الوطنية.

ومع ذلك، لا تزال البنية المؤسسية التي تحول النشاط الإبداعي إلى حقوق قابلة للحماية، وأصول قابلة للاستثمار، وصادرات قابلة للتوسع، وشركات قادرة على البقاء، غير مكتملة ومتفاوتة بين دولة وأخرى. ومن هنا فإن المشكلة الأساسية لم تعد ندرة المحتوى، بل ضعف الدورة الاقتصادية والمعرفية التي تبدأ بالفكرة ولا تكتمل إلا عندما تتحول إلى أصل ذي قيمة متجددة.

إن كثافة النشر، لا تكفي وحدها لبناء صناعة. فقد تنتج المجتمعات ملايين المقاطع والمنشورات والتسجيلات، من دون أن يتراكم منها رأس مال فكري أو مؤسسي، ومن دون أن تخلق وظائف مستقرة أو حقوقًا قابلة لإعادة الاستخدام والترخيص. والصناعة، في معناها الدقيق، لا تقاس بعدد المواد المنشورة فقط، بل بقدرتها على تنظيم سلسلة متكاملة تشمل التطوير والإنتاج والتحرير والتوثيق والتوزيع والتسويق والتحصيل وحماية الحقوق وتحليل البيانات. لذلك، ينبغي التمييز بين نشاط رقمي واسع قد يكون سريع الزوال، وبين صناعة محتوى قادرة على بناء مؤسسات، وتنمية خبرات، وتحويل النجاح الفردي إلى قدرة إنتاجية متراكمة. وهذا التمييز ضروري حتى لا تُستبدل المؤشرات الحقيقية، مثل الإيراد والتصدير والاستمرارية وملكية الحقوق، بمؤشرات سطحية مثل المشاهدات وحدها.

وتؤكد الشواهد التي ناقشتها الحلقات السابقةأن النجاح لا تصنعه الموهبة منفردة، مهما بلغت قوتها، بل ينشأ عندما تجتمع الموهبة مع المنصة والحقوق والتمويل والتوزيع والبيانات والقدرة الإدارية. فإذا غابت الحماية القانونية، فقد المبدع السيطرة على عمله. وإذا غاب التمويل، تعذر تطوير الفكرة إلى منتج منافس. وإذا غاب التوزيع، بقي العمل حبيس السوق المحلية. وإذا غابت البيانات، ضعفت القدرة على فهم الجمهور واتخاذ القرار. وإذا غابت المهارات الإدارية، ظل المشروع مرتبطًا بشخص واحد وعرضة للتوقف. لذلك فإن أي سياسة تركز على التدريب وحده، أو التمويل وحده، أو إنشاء المنصات وحدها، ستعالج جزءًا من المشكلة وتترك بقية السلسلة ضعيفة. والمطلوب هو بناء منظومة تتكامل فيها هذه العناصر، مع تحديد واضح لمسؤولية الدولة والقطاع الخاص، والجامعات، والمؤسسات الثقافية، والمهنية.

ويقتضي هذا التحول إعادة صياغة السؤال الذي يوجه السياسات العامة. فبدلًا من الاكتفاء بالسؤال: كيف نزيد المحتوى العربي؟ ينبغي طرح أسئلة أكثر صرامة وقابلية للقياس: ما مقدار القيمة التي يحتفظ بها الاقتصاد العربي من العمل الناجح؟ وكم أصلًا فكريًا يظل قابلًا للبيع أو الترخيص بعد سنوات من إنتاجه؟ وكم شركة تستطيع الانتقال من الاعتماد على مشروع واحد أو منصة واحدة إلى إيرادات متنوعة ومستقرة؟ وكم عملًا عربيًا يصل إلى أسواق إقليمية وعالمية عبر الترجمة والدبلجة والتوطين؟ وكم وظيفة لائقة تنشأ داخل سلسلة القيمة؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة تنقل النقاش من الاحتفاء بالحضور الرقمي إلى تقييم القدرة الاقتصادية، ومن عدّ المشاهدات إلى قياس الحقوق والإيرادات والصادرات والأجور واستدامة المؤسسات.

وفي هذا السياق، تبرز الملكية الفكرية بوصفها قلب الصناعة، لا ملحقًا قانونيًا يأتي بعد اكتمال الإنتاج. فالعمل الذي تحتفظ الشركة أو المبدع بحقوقه يمكن أن يولد قيمة مرات متعددة من خلال النشر وإعادة النشر والترجمة والاقتباس والتطوير والترخيص عبر وسائط وأسواق مختلفة. أما العمل الذي تُفقد حقوقه مبكرًا، أو تُدار عقوده بصورة غير متوازنة، فقد يحقق انتشارًا كبيرًا من دون أن يبني ثروة أو قدرة تفاوضية لصاحبه. ومن ثم فإن العقود النموذجية، والمساعدة القانونية، وسجلات الحقوق، وآليات فض النزاع، وتمويل الأصول غير الملموسة، ليست إجراءات بيروقراطية؛ بل أدوات إنتاج ونمو. كما أن تحسين وصول الشركات الصغيرة والمبدعين المستقلين إليها شرط لمنع احتكار الفرص من جانب المؤسسات الأكبر والأقدر ماليًا.

اللفة العربية.. أصل اقتصادي ومعرفي مشترك

كما أن اللغة العربية ينبغي أن تُعامل باعتبارها أصلًا اقتصاديًا ومعرفيًا مشتركًا، لا مجرد وعاء يحتاج إلى حماية دفاعية. فتعدد مستويات الفصحى واللهجات، واتساع المجالات العلمية والمهنية، وتنوع الاحتياجات المحلية، كلها تتيح فرصًا في التعليم والصحة والإعلام والترفيه والتقنيات اللغوية. غير أن استثمار هذه الفرص يتطلب مجموعات بيانات عربية مرخصة وعالية الجودة، ومعايير مستقلة لتقييم النماذج، وبرامج للترجمة والتوطين، وتعاونًا بين الجامعات والمتخصصين وصناع المحتوى. كما يتطلب رفع جودة المحتوى ذي المنفعة العامة، لأن قوة الصناعة لا تُقاس بالترفيه وحده، بل أيضًا بقدرتها على توفير معرفة موثوقة تساعد المواطن في التعلم والعمل واتخاذ القرار، وتدعم حضور العربية في الفضاء الرقمي وفي اقتصاد الذكاء الاصطناعي.

إن التحديات المطروحة، من توحيد التعريفات والقياس إلى تمويل الحقوق والبيانات وتقليل التبعية للمنصات، كبيرة، لكنها ليست غامضة أو عصية على التنفيذ. فقد بينت الدراسة إمكان تفكيكها إلى مشروعات محددة ومترابطة: مرصد يجمع البيانات وفق تعريفات واضحة، وصندوق يموّل تطوير الملكية الفكرية والإنتاج القابل للتصدير، وعقود تحمي التوازن بين الأطراف، ومختبرات تبني بيانات عربية مرخصة، وبرامج ترجمة وتوطين تفتح أسواقًا جديدة، وأدوات تمويل وضمان تساعد الشركات، ومؤشرات تقيس النتائج الفعلية. وتكمن قيمة الإطار الخماسي المقترح في أنه يحول الرؤية إلى تسلسل زمني يبدأ بخط الأساس والتجريب، ثم ينتقل إلى التوسع ودمج القطاع الخاص، وينتهي بالتقييم والاستدامة وإيقاف البرامج التي لا تحقق أثرًا قابلًا للإثبات.

** خبير إعلامي

الأكثر قراءة

z