كيف يمكن لعُمان تحويل الجغرافيا إلى قوة اقتصادية؟ (2-2)

 

 

 

 

أ.د. وائل زكريا الصاوي الشنهابي **

الاقتصاد المرن.. هو الاقتصاد الذي يملك البدائل: ربما يكون الدرس الأكبر من أزمة هرمز أن الاقتصاد الحديث لا يستطيع أن يبني قوته على الكفاءة وحدها. نحتاج إلى الكفاءة والمرونة معا.

فقد يكون المورد الأرخص هو الخيار الأفضل في الظروف الطبيعية. لكن إذا كان هذا المورد بعيدا، أو مرتبطا بممر بحري واحد، فقد يتحول الخيار الأرخص إلى الخيار الأكثر تكلفة عندما تقع الأزمة.

ولهذا أصبحت الشركات الكبرى تتحدث اليوم عن: تنويع الموردين - تنويع الأسواق - المخزون الاستراتيجي - المرونة اللوجستية - التحول الرقمي - البيانات الفورية - وخطط الطوارئ. وكلها في النهاية تعني شيئا واحدا: لا تضع كل بيضك في سلة واحدة.

ماذا يعني ذلك لعُمان؟ هنا يمكن أن يتحول التحدي الحالي إلى فرصة استراتيجية، ولكن ليس من خلال انتظار زيادة حركة التجارة بشكل مؤقت. بل من خلال بناء منظومة تستطيع المحافظة على هذه الحركة حتى بعد انتهاء الأزمة.

فإذا استخدمت الشركات الإقليمية الموانئ العُمانية اليوم بسبب اضطراب هرمز، فإن التحدي هو أن تجد في عُمان بعد الأزمة خدمات لوجستية أكثر كفاءة، وتكلفة أكثر تنافسية، وربطا رقميا أفضل، وإجراءات أسرع، ومناطق صناعية أكثر تكاملا. عندها تتحول الأزمة من مجرد ظرف مؤقت إلى فرصة لبناء ميزة طويلة الأجل. وهنا يأتي دور الإدارة.

ولا يمكن فصل هذه القضية عن رؤية "عُمان 2040"؛ فالتنويع الاقتصادي ليس مجرد زيادة عدد القطاعات الاقتصادية، وإنما بناء اقتصاد يمتلك القدرة على مواجهة تغيرات الأسواق. والاقتصاد المتنوع لا يعني فقط أن لدينا النفط والسياحة والصناعة، واللوجستيات، والتعدين، وغيرها؛ بل يعني أن هذه القطاعات مترابطة وتدعم بعضها بعضًا. اللوجستيات تدعم الصناعة، والموانئ تدعم التجارة، والمناطق الاقتصادية تدعم الاستثمار، والتكنولوجيا ترفع كفاءة الجميع، والبيانات تساعد صانع القرار على إدارة المنظومة.

وتشير تقارير متابعة رؤية "عُمان 2040" إلى استمرار العمل على تطوير شبكات النقل، والربط بين الموانئ والمناطق الحرة والمطارات والمنافذ الحدودية، وإدخال التكنولوجيا في حوكمة قطاع النقل واللوجستيات. إذن، ما نحتاجه ليس مشروعًا جديدًا منفصلًا عن الرؤية. بل تسريع تنفيذ ما يجعل الاقتصاد أكثر مرونة وقدرة على الاستجابة.

وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة. عُمان لا تستطيع التحكم في كل التطورات التي تحدث في مضيق هرمز، ولا تستطيع بمفردها التحكم في المتغيرات الجيوسياسية. لكنها تستطيع إدارة ما يقع داخل نطاق قدرتها: الموانئ، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، والبيانات، والبنية التحتية، وتنويع الأسواق، وكفاءة المؤسسات، والاستعداد للسيناريوهات المختلفة. وهذه هي الإدارة الاستراتيجية الحقيقية. فالدولة لا تختار دائما الظروف التي تعمل فيها. لكنها تستطيع أن تختار مدى استعدادها لهذه الظروف.

ربما حان الوقت لأن نتجاوز العبارة التقليدية: عُمان تتمتع بموقع استراتيجي؛ فالموقع الاستراتيجي موجود بالفعل. السؤال هو: هل لدينا عقل استراتيجي يستثمر هذا الموقع؟ والفرق بين الاثنين هو الإدارة، فالجغرافيا تمنح الفرصة، والبنية التحتية تفتح الباب، لكن التكنولوجيا والإدارة والاستثمار والإنسان هي التي تحول الفرصة إلى قيمة اقتصادية.

لا ينبغي أن تكون الرسالة التي نخرج بها من أزمة هرمز هي الخوف من المستقبل؛ بل الاستعداد له؛ فالاقتصاد العالمي لن يعود بالضرورة إلى شكل ما قبل الأزمات الحالية. سلاسل الإمداد أصبحت أكثر حساسية، والشركات أصبحت أكثر اهتمامًا بالبدائل، والبيانات أصبحت جزءا من القرار، والذكاء الاصطناعي أصبح أداة للتنبؤ وليس مجرد أداة تقنية.

وفي هذا العالم، تستطيع عُمان أن تستفيد من موقعها وموانئها إذا نجحت في تقديم نفسها ليس فقط كممر بديل، وإنما ك منظومة لوجستية متكاملة وموثوقة وذكية. وهنا يمكن أن يصبح صحار والدقم وصلالة أكثر من ثلاثة موانئ.

ويمكن أن تصبح 3 حلقات في شبكة اقتصادية واحدة.

السؤال الأخير: في النهاية، قد لا يكون السؤال الأهم: ماذا سيحدث لمضيق هرمز؟ فهذا سؤال أكبر من قدرة دولة أو مؤسسة واحدة على الإجابة عنه.

السؤال الذي يمكننا الإجابة عنه هو: ماذا ستفعل عُمان إذا تغيرت قواعد التجارة؟ هل ننتظر الأزمة ثم نبحث عن البدائل؟ أم نبني البدائل الآن؟ هل نكتفي بإدارة الموانئ؟ أم نحولها إلى منصات ذكية لإدارة التجارة؟ هل نتعامل مع البيانات باعتبارها معلومات؟ أم باعتبارها أصلًا استراتيجيًا لصناعة القرار؟ وهل نعتبر الذكاء الاصطناعي تقنية جديدة؟ أم نراه جزءًا من منظومة الإدارة الاقتصادية القادمة؟

ربما تكون الإجابة عن هذه الأسئلة أهم من الإجابة عن سؤال هرمز نفسه، فالأزمات لا تصنع دائما الاقتصادات القوية أو الضعيفة. الإدارة هي التي تصنع الفارق.

وعندما يتحول عدم اليقين إلى جزء من البيئة الاقتصادية، فإن الدولة الأكثر استعدادًا ليست الدولة التي تعرف ماذا سيحدث غدًا، وإنما الدولة التي تستطيع أن تتحرك بسرعة أيًا كان ما سيحدث غدا. وهنا تحديدا يمكن لعُمان أن تحول تحدي الجغرافيا إلى فرصة اقتصادية.

هرمز قد يكون مضيقًا على الخريطة، لكنه بالنسبة للإدارة العُمانية اختبار لقدرة الاقتصاد على أن يكون أكثر ذكاءً، وأكثر مرونة، وأكثر استعدادًا للمستقبل.

** أستاذ إدارة الأعمال

جامعة البريمي (سلطنة عُمان)- جامعة بورسعيد (مصر)

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z