د. صالح الفهدي
لوزير الدعاية في حكومة هتلر "جوزيف غوبلز" مقولة مشهورة، تقول: "اكذب حتى يصدقك الناس، ثم كرِّر الكذبة حتى تصبح حقيقة"، فقوة الكذب لا تكمن في حبكة منطقيَّة، بل في وتيرة تكراره؛ فالعقل البشري يميل بطبيعته البيولوجية إلى توفير الطاقة المعرفية، وحين تتكرر الرواية ذاتها عبر منافذ متعددة، يتحول المألوف تدريجياً إلى ما يشبه "الحقيقة المسلّم بها".
وفي حديثٍ شريف يحذِّر النبي الاكرم عليه الصلاة والسلام من تأثير الكذب على الحُكم وعاقبة ذلك في قوله:"إنَّما أنا بَشَرٌ، وإنَّكُم تَختَصِمونَ إليَّ، ولَعَلَّ بَعضَكُم أن يَكونَ ألحَنَ بحُجَّتِه مِن بَعضٍ، فأقضيَ على نَحوِ ما أسمَعُ، فمَن قَضَيتُ له مِن حَقِّ أخيه شيئًا فلا يَأخُذْه؛ فإنَّما أقطَعُ له قِطعةً مِنَ النَّارِ"(أخرجه البخاري).
وينطلي الكذب -حتى وإن كانت مصادره معروفة بتصدير السرديات الكاذبة- على كثيرٍ من وسائل الاعلام التقليدية والرقمية التي تتلقَّف الأخبار على عِلَّاتها، فهي تأتيها دونَ عناءٍ ولا جهدٍ، وهي بذلك تعملُ وفق القاعدة الشرعية "ناقل الكفر ليس بكافر"، ولهذا تبرِّيءُ نفسها من مضمونِ ما تنقلهُ، إلَّا أنها تقعُ في الفخ، فالتكرار كما يقول غوبلز، يحوِّل الكذب إلى حقيقة، وهكذا عملت بعض الدول على "صناعة الكذب" وبرعت فيه، لأنها وجدت أن هناك آذانًا تتلقفه لكي تملأ فراغ برامجها، وتسابق غيرها في نشره مع إدراكها بأنَّه زيف وبهتان!!.
تُعرف هذه الظاهرة في علم النفس المعرفي، بـ "تأثير الحقيقة الواهمة (Illusory Truth Effect). ، فالعبارة التي يتكرر سماعها للمرة العاشرة يعالجها الدماغ بجهد أقل وسلاسة أكبر مقارنة بعبارة نسمعها للمولى الأولى وتسمَّى بـ"السيولة الإدراكية (Cognitive Fluency):حيث يترجم العقل اللاوعي هذه السلاسة تلقائياً كإشارة على الصدق والأمان.
وهذا ينطبعُ على "تطبيع المنكر" أو "تطبيع الشذوذ" فالأفكار التي تبدو صادمة أو منافية للمنطق في بدايتها تفقد غرابتها بالتدريج كلما كُرِّر عرضها، حتى تتحول من الرفض والاعتراض أو تتحوَّل من مسألة تستوجب النقاش والتمحيص إلى أرضية مشتركة تُبنى عليها مواقف جديدة.
ولعلَّ أكبر تضليل هو ما مارسته الولايات المتحدة الأمريكية في عام 2003م حين قادت الإدارة الأمريكية وحلفاؤها حملة تكرار يومية مكثفة حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وعلاقته بأحداث سبتمبر، ورغم غياب الأدلة القطعية وقتها، فإن تكرار المسألة على ألسنة الوزراء وشاشات الأخبار جعلها في وجدان قطاعات واسعة من الرأي العام الغربي حقيقة لا تقبل الجدل حتى وقع الغزو وتبيّن زيف الادعاء لاحقاً حين اعترف وزيز الخارجية الأمريكي الأسبق "كولن بأول" بأن كذب وأن ذلك سيظل "نقطة سوداء في ملفِّه".!
على أنَّ مجتمعات اليوم تواجه مع ثورة التواصل الاجتماعي، وقوة نفوذ الاعلام الرقمي قوة الكذب لممارسة التضليل، وتزييف الحقائق، وتحويل الكذب إلى صدق منطقي لا جدال فيه،
لقد ارتكز الإسلام الحنيف على قاعدة الصدق وفي هذا يقول د. نايف بن نهار: "بحثتُ في القرآن الكريم فلم أجد لفظة "كونوا مع" إلا مع الصادقين"، وقد ربط الله سبحانه وتعالى الكذب بعدم الإيمان في قوله ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105]، ذلك لأن الكذب هو افتراء وتدليس على الحقيقة، ما يعني أنَّه ظلم وهذا ما يتبيَّن من قول الحق سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ [النحل: 105].
لقد تحوَّلت وسائل التواصل الاجتماعي اليوم إلى أقوى ماكينة تكرار عرفتها البشرية، وذلك عبر آليات دقيقة، عبر الخوارزميات أو ما يسمَّى بـ "غرف الصدى "(Echo Chambers): إذ تتعلم المنصَّات ما يثير تفاعل المستخدم، فتعيد تغذيته بالمحتوى نفسه مئات المرات بصيغ مختلفة، ويظن المتصفح بذلك أن العالم بأسره يتبنى هذه الفكرة، بينما هو في الحقيقة يدور داخل فقاعة صنعتها له الخوارزمية.
كما تقوم الجيوش الإلكترونية والذباب الرقمي (Botnets) بإطلاق وسم (هاشتاق) معيَّن وإغراقه بآلاف الحسابات الوهمية التي تعيد نشر نفس الجملة والادعاء، فيوهم هذا الزخم المصطنع المتلقي بأنَّ هناك إجماعاً شعبياً، فيبدأ العقل في التعامل مع الادعاء كأمر واقع.
أيضًا عبر ما يسمَّى بـ "استراتيجية الإغراق (Flooding): إذ أنَّه بدل حجب الحقيقة بالكامل كما كانت تفعل الرقابة التقليدية، يتم اليوم إغراق الفضاء بشتى أنواع الروايات المتناقضة والشائعات المكررة، مما يقود المتلقي إلى حالة من "الإعياء المعرفي"، فيتساوى عنده الصدق والكذب، وتضيع الحقيقة وسط الضجيج.
كذلك يتم عبر المقاطع المجتزأة والوسائط التوليدية (Deepfakes):حيث يتم تكرار تداول مشهد مجتزأ مدته (5) ثوانٍ، أو صورة مفبركة، على منصات معيَّنة، كفيل بتدمير سمعة أو إشعال فتنة مجتمعية قبل أن تصدر أي جهة بياناً تصحيحياً لن يقرأه إلا القليل.
هُنا تبرزُ مسؤولية الوعي الحقيقي للتفنيد وعدم الانجرار خلف الكذب على ما فيه من قوِّة، فالكذب إن لم يجد من يصدقه ويمنحه مساحة من الاهتمام والانتشار فلن يعيش، فهناك عبارة تُنسب إلى سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه تقول: «إنَّ للهِ عباداً يُميتون الباطلَ بهجرهِ، ويُحيون الحقَّ بذكرهِ"، وبذلك فمقاومة الكذب في الإعلام الرقمي يبدأ من تحصين العقل بعدَّة خطوات وهي:
أولاً: التثبت قبل النشر؛ بأن يعوِّد الإنسان نفسه على عدم نشر خبر لمجرد أنه مثير أو يوافق ما يعتقده، بل يسأل: من المصدر؟ وما الدليل؟ وهل نقلته جهة موثوقة؟.
ثانيًا: التمييز بين الخبر والرأي؛ فالكثير من التضليل يبدأ بخلط الرأي بالحقيقة؛ وبالتالي ينبغي أن يعرف المتلقي هل يواجهُ معلومة موثقة، أم تفسيراً، أم إشاعةً، أم رأياً شخصياً؟
ثالثا: عدم الاكتفاء بعنوان الخبر؛ فالعناوين قد تكون مصممة لجذب المشاهدات وإثارة الانفعال، ولذلك ينبغي قراءة المحتوى كاملًا، ومعرفة السياق، وتاريخ الخبر.
رابعاً: مقارنة المصادر، فإذا كان الخبر مهمًا أو حساسًا، فمن الأفضل أن يبحث المتلقي عنه في أكثر من مصدر مستقل، وعدم بناء موقف على منشور واحد أو مقطع مجتزأ.
خامسا: عدم مكافأة الكذب بالانتشار؛ وذلك من منطلق "أميتوا الباطل بهجره" فأحيانًا يكون أفضل رد على الإشاعة ألا نمنحها مزيدًا من الانتشار، فإعادة نشر الكذبة بقصد نفيها قد تجعلها تصل إلى أشخاص لم يسمعوا بها أصلًا.، وبالتالي نقع نحن في الفخ المنصوب!.
سادساً: تعزيز المسؤولية الإعلامية، وهي رسالة إلى المؤسسات الإعلامية التي عليها أن تراجع المعلومات قبل نشرها، وأن تصحِّح الخطأ بوضوح إذا وقع، وألا تجعل السبق الصحفي أهم من دقة الخبر.
سابعاً: تعليم التفكير النقدي، وهي رسالة إلى مؤسسات التعليم، فالتفكير النقدي يبدأ من المدرسة؛ فالطالب ينبغي أن يتعلم كيف يبحث عن المعلومة، ويتحقق منها، ويفحص مصدرها، ويقارن الأدلة، لا أن يكون مجرد متلقٍّ لما يظهر أمامه في الشاشة.
ثامنًا: الانتباه إلى استغلال العاطفة، فالأخبار الكاذبة كثيرًا ما تُصاغ لإثارة الخوف أو الغضب أو التعصُّب أو الشفقة، وكلما كان دفع المحتوى المتلقي إلى المشاركة الفورية قبل التفكير، كان من الحكمة أن يتوقف ويتحقق.
وختامًا علينا أن نُدرك أن للكذب قوَّة أصبحت اليوم نافذة ومؤثِّرة، ولهذا يجب أن تكون حصانتنا في المقابل أعظم قوةً منه، امتثالاً لقول الحق سبحانه وتعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" (التوبة: 119).
