للترجمة مساحة تليق بها

 

جمال النوفلي

يقول الكاتب والمفكر الإيطالي أمبرتو إيكو: «الترجمة هي أن تقول الشيء نفسه تقريبًا».

وقد يبدو في هذه العبارة شيء من التواضع تجاه فعل الترجمة، لكن كلمة «تقريبًا» هي في الحقيقة التي تختصر كل مشقة المترجم؛ لأننا حين نترجم إنما نحاول أن ننقل المعنى، والإحساس، والإيقاع، والثقافة، وروح النص من لغة إلى لغة.

ومن هذه الفكرة بدأت تجربتنا في لجنة الترجمة بالجمعية العُمانية للكتاب والأدباء.

في عام 2020، اجتمعت مجموعة من المترجمين والأصدقاء حول فكرة بسيطة في ظاهرها، لكنها كبيرة في معناها: أن تكون للترجمة مساحة تليق بها في المشهد الثقافي العُماني، وأن يجد المترجمون مجالًا للالتقاء والتعاون وتبادل الخبرات، وأن نعمل على تعزيز حضور الترجمة، وإثراء المحتوى العُماني بالنتاج المترجم، وفي الوقت نفسه أن نفتح الطريق أمام الأدب العُماني ليعبر إلى لغات أخرى.

بدأت التجربة بجهود فردية، وبصحبة عدد من الأصدقاء والزملاء واستشارة منهم، من بينهم الأستاذ حمد الغيثي، والدكتور حسين العبري، والأستاذ أحمد المعيني، والأستاذ صالح الفلاحي والأستاذ عبدالله المعمري والأستاذ كامل الصوتي والأستاذ مصطفى الحضرمي، وغيرهم من الأسماء التي أسهمت في الحراك الترجمي في السلطنة.

ثم اتسعت الدائرة، وانضم إلينا مترجمون ومترجمات آخرون، من بينهم الأستاذة فاطمة ناصر، والأستاذ أيمن العويسي، والأستاذة عزة الهنائي والأستاذة فاطمة الحبسي وغيرهم من الزملاء الذين أصبحوا جزءًا من هذه التجربة.

ولم تكن غايتنا أن تكون اللجنة مجرد إطار إداري آخر، بل أن تكون مساحة للحوار حول الترجمة؛ حول أسئلتها ومشكلاتها، وحول علاقة المترجم بالنص، وعلاقته بالكاتب، وعلاقته باللغة التي يترجم منها واللغة التي يترجم إليها.

وقد وجدنا في الجمعية العُمانية للكتاب والأدباء دعمًا واحتضانًا لهذه الفكرة، وكان من أجمل صور هذا الاهتمام أن أصبحت الترجمة حاضرة ضمن مسابقات الإبداع السنوية للجمعية، بما يؤكد أن المترجم لشريك في صناعة الإبداع.

ولعل السنوات الماضية أثبتت أن الترجمة في سلطنة عُمان لم تعد نشاطًا محدودًا فقد أصبحت جزءًا متناميًا من الحراك الثقافي. والدليل الأجمل على ذلك هو أن الأدب العُماني بدأ يعبر بالفعل إلى العالم.

ففي عام 2019، فازت رواية «سيدات القمر» للروائية العُمانية جوخة الحارثي، بترجمة مارلين بوث، بالجائزة الدولية للرواية، لتصبح أول رواية عربية تفوز بهذه الجائزة.

وفي إنجاز آخر، فازت ترجمة رواية «جوع العسل» للروائي العُماني زهران القاسمي، التي أنجزتها مارلين بوث، بجائزة سيف غباش- بانيبال للترجمة الأدبية لعام 2025.

وهذان مثالان فقط، وهناك أعمال وترجمات عُمانية أخرى وصلت إلى جوائز وقوائم تقدير ووجدت طريقها إلى لغات وثقافات مختلفة، ولا يتسع المقام لذكرها جميعًا.

لكن المهم هنا ليس الجوائز وحدها. المهم أن الأدب العُماني أصبح قادرًا، عبر الترجمة، على أن يقول للعالم: هذه عُمان، وهذه أصوات كتّابها، وهذه حكاياتها وذاكرتها وأسئلتها الإنسانية.

وهنا تأتي مسؤوليتنا المقبلة؛ أن تكون الترجمة طريقًا نستقبل من خلاله أدب العالم ومعرفته وأن تكون طريقًا يسافر من خلاله الأدب العُماني إلى العالم.

وفي هذه المناسبة بالذات، يصعب عليّ أن أتحدث عن الترجمة دون أن أتوقف عند اسم فقدناه قبل أيام قليلة؛ ففي الرابع والعشرين من سبتمبر الجاري، غيّب الموت الأديب والروائي والقاص والمترجم العُماني محمد بن عيد العريمي، عن عمر ناهز الثانية والسبعين عامًا، بعد تجربة أدبية وإنسانية امتدت عقودًا. ⁠

وأشعرُ أن رحيله في هذه الأيام، ونحن نحتفي بالترجمة، يجعل حضوره في هذه المناسبة أكثر إلحاحًا؛ فالعريمي لم يكن روائيًا وقاصًا فحسب، وإنما كان له حضور في الترجمة أيضًا، ومن أبرز أعماله ترجمته لرواية «مزرعة الحيوان» لجورج أورويل، التي تحدث عن أن ما دفعه إلى إعادة ترجمتها هو ما رآه من إساءة إلى الرواية في بعض الطبعات العربية السابقة، فاختار أن يعيد تقديمها بصورة تليق بالنص وبصاحبه.

وهذه، في رأيي، واحدة من أجمل صور الوفاء في الترجمة: أن يشعر المترجم أن عليه مسؤولية تجاه النص، لا مجرد مهمة تجاه الكلمات.

رحم الله محمد عيد العريمي، الذي ترك لنا إلى جانب ترجمته أعمالًا أدبية مهمة، وفي مقدمتها «مذاق الصبر». ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله في رحيله، ونحن في يوم الترجمة، أن المبدع قد يغيب، لكن النص لا يغيب. الكلمات التي كتبها، والكتب التي ترجمها، والأفكار التي حملها إلى القراء، تواصل حياتها بعد صاحبها. وهذا هو سر الأدب والترجمة معًا.

إننا حين نترجم نصًا، فإننا نمنحه حياة أخرى، وبلادًا أخرى، وقراء آخرين.

وفي هذه المناسبة، أود أن أشكر كل من أسهم في تجربة لجنة الترجمة، وكل مترجم ومترجمة عملوا بصمت، وكل من آمن بأن الثقافة العُمانية تستحق أن تُقرأ خارج حدود لغتها، وأن ثقافات العالم تستحق أن تصل إلينا بلغاتها وأصواتها المختلفة.

وأود أن أقول لزملائي في الترجمة: ربما لن نستطيع، كما قال أمبرتو إيكو، أن نقول «الشيء نفسه» تمامًا. لكننا نستطيع أن نحاول أن نقول المعنى نفسه، والروح نفسها، والإنسان نفسه.

وإذا نجحنا في ذلك، فقد نجحنا في أن نجعل لغةً تفهم لغة، وثقافةً تقترب من ثقافة، وإنسانًا يرى نفسه في مرآة إنسان آخر.

كل عام والمترجمون بخير. كل عام والكلمة بخير.

كل عام والترجمة جسر يصل عُمان بالعالم، ويصل العالم بعُمان.

الأكثر قراءة

z