الترقيات.. من استحقاق الموظف إلى صناعة القيمة المؤسسية

 

 

 

د. مرتضى بن جمعة بن عبدالله الخائط

قد تبدو الترقية الوظيفية- في أي مؤسسة- عبارة عن انتقال من مستوى وظيفي إلى آخر، لكنها في جوهرها أكثر من ذلك بكثير؛ فهي رسالة توجهها المؤسسة (حكومية أو خاصة) إلى موظفيها حول ما تقدّره من أداء وكفاءة، وما تراه مؤهلًا لتحمل مسؤوليات أكبر. ولذلك فإنَّ قوة أي نظام للترقيات لا تقاس فقط بعدد الترقيات أو سرعة إنجازها، وإنما بقدرته على تحقيق التوازن بين الجدارة والشفافية والمساواة، وتحويل التقدم الوظيفي إلى قيمة مضافة للمؤسسة.

ومن هذا المنطلق، فإن أنظمة الترقيات الحديثة تحتاج إلى أن تُفهم باعتبارها جزءًا من منظومة إدارة رأس المال البشري، وليست إجراءً منفصلًا عن التخطيط للقوى العاملة وإدارة المواهب والتطوير المهني. فالمؤسسة التي تريد تحقيق أهدافها بكفاءة تحتاج إلى أن يكون تقدم موظفيها مرتبطًا، بصورة واضحة بالقدرات التي تحتاجها اليوم وتلك التي ستحتاجها غدًا.

وتأتي الجدارة في مقدمة هذه العناصر؛ فالترقية لا ينبغي أن تقوم على عامل واحد وإنما على قراءة متكاملة للأداء والكفاءة والمهارات والخبرة والاستعداد لتحمل مسؤوليات الوظيفة الأعلى. كما أن التقييم الحقيقي للجدارة لا يقتصر على ما أنجزه الموظف في الماضي، بل ينظر أيضًا إلى قدرته على تحقيق نتائج مستقبلية تتناسب مع متطلبات الدور الجديد.

لكن الجدارة تحتاج إلى بيئة تعزز الثقة بها، وهنا تظهر الشفافية. ولا تعني الشفافية كشف جميع تفاصيل قرارات الموارد البشرية، وإنما هي عبارة أن تكون قواعد المنافسة واضحة للجميع ومعايير المفاضلة مفهومة والإجراءات معلنة، والقرارات موثقة وقابلة للتفسير والمراجعة وفق ضوابط محددة.

ومن الأسئلة المهمة في هذا السياق: هل يعرف الموظف لماذا تقدم زميله؟ وهل يعرف ما الذي يحتاج إلى تطويره حتى يكون أكثر جاهزية للفرصة القادمة؟ كلما استطاعت أنظمة الترقيات الإجابة عن هذه الأسئلة بوضوح، تحولت من مُجرد آلية لاتخاذ القرار إلى أداة لتحفيز التطوير المستمر.

أما المساواة، فجوهرها هو تكافؤ الفرص واتساق تطبيق المعايير. وهذا يتطلب أن تكون الفرص متاحة وفق قواعد واضحة، وأن تطبق المعايير نفسها على الحالات المتشابهة، وأن تقل المساحات التي يمكن أن تتأثر بالتقديرات غير المنضبطة. ويمكن للتحول الرقمي أن يدعم هذا الجانب من خلال توحيد الإجراءات وتوثيق مراحل المفاضلة، وإتاحة قدر أكبر من الوضوح في متابعة الطلبات.

وتظهر في بعض التجارب الدولية توجهات تربط التقدم الوظيفي بمتطلبات الوظيفة والكفاءات والأداء، مع اعتماد إجراءات واضحة للمنافسة والمراجعة. والاستفادة من هذه التجارب لا تعني نقلها كما هي، وإنما الاستفادة من مبادئها القابلة للتكييف، خصوصًا في مجالات الجدارة والشفافية وتكافؤ الفرص.

غير أن التحدي الأهم يبدأ بعد الترقية. فإذا كانت الترقية نهاية لمسار الموظف، فقد نفقد جزءًا مهمًا من قيمتها، أما إذا أصبحت بداية لمسؤولية جديدة ومسار تطوير جديد، فإنها تتحول إلى استثمار حقيقي في رأس المال البشري. وهنا يمكن ربط الترقية بالتطوير المهني، وإدارة المواهب، وإعداد الصف الثاني والتعاقب الوظيفي.

وهذا يقودنا إلى مفهوم الأثر المؤسسي؛ فالمؤسسة لا تحتاج فقط إلى موظفين حصلوا على ترقيات، وإنما إلى كفاءات في المواقع التي تستطيع فيها تحقيق أفضل النتائج. وكلما ارتبطت الترقيات بالأهداف المؤسسية، أصبحت أكثر قدرة على توجيه الطاقات نحو الأولويات الاستراتيجية، سواء في تحسين الإنتاجية، أو جودة الخدمات، أو الابتكار، أو التحول الرقمي.

ومن هذا المنظور، تصبح أنظمة الترقيات إحدى الأدوات التي يمكن أن تسهم في بناء رأس مال بشري أكثر قدرة على مواكبة التحولات وتحقيق الأهداف الوطنية، بما ينسجم مع التوجهات التي تضع الإنسان والمهارات والإنتاجية في قلب مسيرة التنمية ورؤية عُمان 2040.

وفي تقديري، فإن السؤال الأهم حول أي نظام للترقيات ليس فقط: من حصل على الترقية؟ بل: هل أصبح الموظف يعرف طريقه بصورة أوضح؟ وهل يشعر أن الجدارة والإنجاز يحظيان بالتقدير؟ وهل وفَّرت المؤسسة فرصًا أكثر عدالة للتطور؟ والأهم: هل انعكست هذه الترقيات على جودة الأداء وتحقيق الأهداف؟

الترقية ليست مكافأة على الماضي فقط، وإنما ثقة بمسؤولية المستقبل. وعندما تجتمع الجدارة مع الشفافية والمساواة مع التطوير، ويقاس النجاح بالأثر لا بالإجراء، تتحول أنظمة الترقيات من أداة لإدارة المسار الوظيفي إلى أداة لصناعة الكفاءة المؤسسية وبناء المستقبل.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z