سؤال التاجر على طاولة صانع القرار (2-2)

 

 

 

 

علي بن محمد بن جمعة اللواتي

 

لا تكشف الميزانية وحدها الكلفة الكاملة للقرار. فهناك أيضًا قيمة أفضل بديل متاح تخلّينا عنه، وهي ما يسميه الاقتصاديون "كلفة الفرصة البديلة".

فالأرض الحكومية المخصصة لنشاط معين كان يمكن استخدامها لنشاط آخر، والمبلغ المرصود لمبادرة كان يمكن توجيهه إلى خدمة أو بنية أساسية. وحتى قدرة الجهات على المتابعة والتنفيذ مورد محدود؛ فما تنشغل به اليوم قد يؤجّل أعمالًا أخرى. وما يبدو مجانيًا في حسابات جهة قد تكون له كلفة في حساب الاقتصاد.

وحين لا يدفع من يحتفظ بالمورد شيئًا مقابل تعطيله، قد لا تدخل هذه الكلفة في حسابه، وإن كان الاقتصاد يتحملها. وهنا يأتي دور السعر: فكلفة الاحتفاظ بأرض أو مساحة غير مستخدمة قد تقلل حجزها دون حاجة. لكن القدرة على الدفع لا تكفي لإثبات القدرة على التنفيذ؛ فقد يملك أحدهم المال ولا يملك القدرة على التشغيل، ويملك آخر مشروعًا واعدًا وتمويلًا محدودًا.

لذلك تتكامل الأسعار المدروسة مع شروط تنفيذ واضحة، ومهل معقولة، ومتابعة فعلية، وآلية لاسترداد المورد إذا ظل معطلًا. والغاية أن يصل المورد إلى استخدام منتج، مع إتاحة فرصة عادلة لمن يستطيع تشغيله.

وينطبق منطق كلفة الفرصة البديلة على الحوافز أيضًا. فالسؤال لا يتوقف عند عدد المستفيدين منها، بل يمتد إلى ما غيّرته في قراراتهم: هل شجّعت استثمارًا إضافيًا؟ وهل عالجت عائقًا حقيقيًا؟ أم مُنحت لنشاط كان سيقام بالحجم نفسه وفي التوقيت ذاته من دونها؟

بهذه الأسئلة نعرف ما حققته الموارد التي خصصناها، وما إذا كانت هناك وسيلة أجدى لتحقيق الغاية نفسها.

ومن أصعب القرارات الاقتصادية التوقف عن إنفاق المزيد على ما أنفقنا عليه كثيرًا. لكن القرار الصحيح يبدأ بسؤال سابق: لماذا تعثّر المشروع؟

والإجابة تتطلب تشخيص الأسباب الجذرية: هل الخلل في فكرة المشروع أو تصميمه أو إدارته، أم في بيئة الأعمال وظروف السوق؟ وقد تتداخل هذه الأسباب، لكن التمييز بينها ضروري لاختيار المعالجة.

فقد لا يحقق المشروع أهدافه رغم كفاءة إدارته وسلامة تشغيله، لأن مقومات نجاحه لم تتوافر أصلًا. قد يفتقر إلى سهولة وصول العملاء، أو الأنشطة المكملة التي تجذبهم، أو الإمدادات والخدمات اللوجستية بتكلفة تنافسية. تستطيع الإدارة تحسين الأداء، لكن قدرتها على تعويض غياب هذه المقومات تظل محدودة.

وهنا يجب أن تشمل المراجعة الافتراضات التي بُني عليها قرار الإنشاء: هل كان الطلب كافيًا؟ وهل كان النجاح مشروطًا بخدمات أو خطوات لم تُنفَّذ؟ وما كلفة استكمالها، ومن المسؤول عنها؟ فقد تكون معالجة العائق المشترك أجدى من دعم كل مشروع متعثر على حدة.

أما حين تكون أسباب التعثر داخلية، فالمعالجة تحتاج إلى قيادة تفهم النشاط وتملك الحس التجاري والقدرة على التنفيذ، مع صلاحيات واضحة ومتابعة حتى ظهور نتائج قابلة للقياس. فتغيير مجالس الإدارات وإعداد تقارير الاستشاريين لا يكفيان وحدهما لإصلاح الأداء.

وبعد التشخيص يأتي القرار: هل يمكن معالجة الأسباب بكلفة تبرّرها المنافع المتوقعة؟ فما أُنفق ولن يُسترد لا يبرّر، في ذاته، إنفاقًا جديدًا. وللتوقف كلفته أيضًا؛ لذلك تُقارن خيارات الاستكمال والتعديل والتوقف بما سيترتب عليها من الآن فصاعدًا. وتساعد محطات المراجعة المحددة مسبقًا على اتخاذ هذا القرار قبل تفاقم الخسائر.

وتختلف غاية الدولة عن غاية المنشأة التجارية. فالتعليم الأساسي والصحة العامة والأمن وخدمة المناطق الأقل كثافة لا تُقيَّم بإيراداتها المباشرة وحدها؛ إذ تكمن قيمة الإنفاق عليها في حماية الناس وتوسيع فرصهم وتخفيف تكاليف يتحملونها.

ولهذا لا يعني الحس التجاري بيع كل أرض بأعلى سعر، أو اختيار كل مشروع بحسب إيراده المباشر. فتوفير السكن أو تحسين الخدمات أو تنمية منطقة معينة قد يبرّر قبول عائد مالي أقل. لكن القرار يصبح أقوى حين نعرف ما تنازلنا عنه، وما المنفعة العامة التي ننتظرها في المقابل.

واتساع الغاية لا يلغي الحاجة إلى الحساب. فإذا اتفقنا على ضرورة خدمة معينة، يبقى أن نسأل: ما الوسيلة الأجدى لتقديمها؟ ومن يصل إليه نفعها؟ وهل تحقق الجودة المطلوبة؟ وهل يمكن الوصول إلى نتيجة أفضل بالموارد نفسها؟

الحس التجاري يخدم القرار العام حين يضيف إليه هذا الانضباط، مع مراعاة العدالة والمصلحة طويلة الأجل. ويشمل ذلك معرفة المجالات التي تستطيع فيها الحكومة تمكين القطاع الخاص من الاستثمار والتشغيل، وتوجيه مواردها إلى احتياجات لا يلبيها السوق بما يكفي.

ويمكن لهذا المنهج أن يمنح النقاش الاقتصادي قدرًا أكبر من التحديد. فحين نقترح مشروعًا أو حافزًا أو برنامجًا، نحتاج إلى إجابة واضحة عن الحاجة التي يلبيها، والنتيجة التي ننتظرها، ومقومات تحقيقها، والبيئة التشريعية والمالية التي سيعمل فيها، والكلفة الكاملة، والبدائل المتاحة، والدليل الذي سيقودنا إلى التوسع أو التعديل.

ولا يتطلب ذلك تحويل كل منفعة إلى رقم مصطنع. بعض المنافع يصعب قياسه ماليًا، لكن يمكن وصفه بوضوح، وتحديد من يستفيد منه، ومتابعة تحقُّقه. المهم ألّا تبقى الغاية عبارة واسعة تصلح لتبرير أي إنفاق؛ فالمال العام يستحق حرصًا على جدواه بقدر الحرص على سلامة صرفه. وحين يجلس السؤال التجاري إلى جوار السؤال الإجرائي، تكتمل زاويتان يحتاج إليهما القرار: هل أحسنّا اتباع القواعد؟ وهل أحسنّا استخدام الموارد؟

 

 

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z