مخطوطٌ نادر يكشف أثرًا منسيًّا في علم النحو

 

 

 

 

سلمى بنت سيف البطاشيّ

لا تزال المخطوطات العربية تحتفظ بكثير من الكنوز العلمية التي تكشف عن عناية العلماء باللغة وعلومها، وخاصةً علم النحو الذي حظي بمكانة كُبرى في مجالس العلمِ والتأليف عبر القرون.

ومن بين المخطوطات التي عثرتُ عليها صورة من مخطوط نحوي نادر، لا يُعرف عنه إلا القليل، ولم يحظ- على حد علمي- بانتشار واسع بين الباحثين أو الدراسات المُتداولة، ويحمل هذه المخطوط عنوان: "القول المقتدى بمسوغات المبتدا" تأليف مولانا الأستاذ الماهر العلامة الفهامة الشيخ محمد أبي طاهر بن المرحوم الشيخ إبراهيم الكوراني. وكان الفراغ من تأليفه في الثالث من شهر جمادى الأولى سنة 1116هـ ونسخه محمد بن راشد الإحسائي، وكان تمام نسخه في 12 من شعبان سنة 1141هـ، ويقع في ثماني عشرة صفحة، وقد كُتبت أوراقه بخط دقيق، وتزدان هوامشه بعدد من التعليقات والتقييدات، التي يبدو أنها أُثْبِتَتْ في أوقات مختلفة، مما أضفى على النسخة قيمة توثيقية، وكشف عن أنها كانت موضع قراءة ومُراجعة، ولم تكن مجرد نسخة محفوظة. وأوحت التعليقات المثبتة في هوامش النسخة باحتمال أن يكون الناسخ قد عرضها على المؤلف بعد إتمام نسخها، فأضاف المؤلف بعض الاستدراكات على حواشيها. ويُعزّز هذا الاحتمال ورود اسم (طاهر) في ختام هذه التعليقات.


وثائق (1).jpeg

 

ولم تحفظ هذه النسخة، التي بين أيدينا متن الكتاب فحسب، بل أبقت لنا أيضًا آثارًا تكشف شيئًا من رحلتها عبر الزمن. فقد سجل أصحابها على صفحاتها وحواشيها قيودًا وتعليقات تركت لكل مرحلة أثرًا، ومن خلالها يمكن تتبع جانب من تأريخ هذه النسخة، ومعرفة بعض من تداولها واعتنى بها قبل أن تصل إلى سيدي الشيخ القاضي سيف بن حمود البطاشي- رحمه الله- والتي كانت في البداية عارية بين يديه ومن ثم انتقلت إليه بالشراء. وتُشير الكتابة المُثبتة في إحدى حواشي النسخة إلى أنَّ الشيخ سلطان بن محمد بن صلت البطاشي- رحمه الله- كان من مُلَّاكها وكذلك علَّق ببعض العبارات في إحدى صفحاتها. وهكذا تقودنا هذه الوقفة مع المخطوط إلى حقيقة أنَّ بعض الكنوز العلمية لا تزال تنتظر من يلتفت إليها ويقرأ ما بين سطورها.

ومما يلفت النظر في أمر هذا المخطوط أنني- بعد الرجوع إلى ما تيسّر من كتب التراجم التي تناولت المؤلف- لم أجد فيها إشارة إلى نسبة هذا الكتاب إليه، ومن هنا تبرز قيمة هذا المخطوط؛ فندرته لا تتصل بموضوعه النحوي فحسب، وإنما بما يحمله من مادة قد تضيف إلى المؤلف وكذلك إلى المكتبة العربية وكانت وفاة هذا المؤلف سنة 1145هـ/ 1733م.

والمؤلف كما جاء في كتب التراجم: هو فقيه من علماء المدينة المنورة تعلم على يد أبيه العالم إبراهيم بن حسن الكوراني الشهرزوري الشهرانيّ الشافعي (ت: 1101هـ) وكان من العلماء المعروفين في عصره، وكان لذلك أثر في تكوينه العلمي ونشأته.

وثائق (3).jpeg

وقد أثار هذا المخطوط اهتمامي؛ إذ لا تقتصر أهميته على الجانب العلمي فحسب، بل تمتد إلى قيمته التأريخية والثقافية؛ إذ تمثل شاهدًا على الجهود التي بذلها العلماء في حفظ اللغة العربية وتقعيدها، ونقل علومها عبر الأجيال.

ويبقى هذا المخطوط شاهدًا على أن خزائن التراث ما زالت تُخبئ نصوصًا لم تأخذ نصيبها من التعريف والدراسة، وأن ورقة واحدة قد تفتح بابًا لمعرفة جديدة في تأريخ العلم واللغة، ولعل إظهار مثل هذه النصوص وإخراجها من دائرة المجهول إلى دائرة البحث هو الخطوة الأولى في إحياء جانب من تراثنا العلمي، وحفظه للأجيال القادمة.

بيانات المخطوط:

عنوان المخطوط: القول المقتدى بمسوغات المبتدأ للعلامة محمد بن أبي طاهر الكوراني.

سنة التأليف: 3 جمادى الأولى سنة 1116هـ

الناسخ: محمد بن راشد الإحسائي

تأريخ النسخ: 12 شعبان 1141هـ

وثائق (2).jpeg

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z