محمد رامس الرواس
القرارات الناجحة لا تبدأ عند توقيعها، لكنها تبدأ حين يفهمها المواطنون الذين ستُطبَّق عليهم القرارات او يتأثروا بها.
ونجاح أي إدارة لا يتمثل في قدرتها على إصدار القرارات فحسب، وإنما في قدرتها على أن تجعل العاملين والمواطنين يفهمون هذه القرارات، ويستوعبون أهدافها، ويدركون أثرها في حاضرهم ومستقبلهم الوظيفي، وكلما كان القرار أكثر اتصالًا بحقوق الموظفين وتأثيره الايجابي على المجتمع عامة، ازدادت الحاجة إلى الحوار والوضوح قبل الانتقال إلى مرحلة التطبيق.
ومن هنا، فإن أي منظومة جديدة تخص الموظفين في الدولة، تُمثِّل تحولًا يتجاوز تغيير الإجراءات، ولهذا فإن السؤال ليس فقط: ماذا تتضمن المنظومة الفلانية؟ بل أيضًا كيف نستمع إلى تساؤلاتهم وملاحظاتهم قبل أن تتحول النصوص والضوابط إلى ممارسة يومية؟
الحوار قبل القرار لا يمثل اعتراضًا على القرار، ولا محاولة لتعطيل تنفيذه، بل هو جزء من جودة التنفيذ؛ فالقرار الذي يفهم الموظف فلسفته ومعاييره وآليات تطبيقه يختلف في أثره عن قرار يفاجأ به الموظف دون أن تتاح له مساحة كافية للفهم والاستفسار والنقاش والحوار البناء.
وتزداد أهمية ذلك كون القرار يتحول الى جسر من ثقة في أدوات القياس نفسها: كيف تقاس النتائج؟ ومن يقيّمها؟ وما هي المعايير؟ وكيف تضمن العدالة؟ وما آليات الاعتراض أو التظلُّم عند الاختلاف مع نتيجة التقييم؟
الإجابة عن هذه الأسئلة في لقاءات مباشرة وورش تعريفية وجلسات نقاش مفتوحة ليست ترفًا إداريًا، بل وسيلة للحد من سوء الفهم والإشاعات والتفسيرات المتباينة. وربما تكشف هذه اللقاءات كذلك عن جوانب تطبيقية لم تكن واضحة عند تصميم الإجراءات، فيصبح الموظف الذي يمثل هنا شريحة واسعة من المجتمع شريكًا في إنجاح المنظومة بدل أن يكون مجرد متلقٍ لنتائجها.
والإدارة الحديثة لا تخشى السؤال؛ بل تستفيد منه. ولا تنظر إلى الملاحظة باعتبارها مقاومة للتغيير، لأن بعض الملاحظات قد تكون إنذارًا مبكرًا لمشكلة يمكن معالجتها قبل أن تتسع، كما أن الاستماع للموظفين لا يعني بالضرورة الأخذ بكل ما يطرحونه، وإنما يعني احترام حقهم في الفهم وإيضاح أسباب الأخذ ببعض المقترحات وعدم الأخذ بغيرها.
ونحن اليوم في مرحلة إدارية تؤكد فيها رؤية "عُمان 2040" أهمية رفع كفاءة الجهاز الإداري وتعزيز الحوكمة والأداء المؤسسي. ومن مقتضيات ذلك أن تتطور ثقافة صناعة القرار وتنفيذه جنبًا إلى جنب مع تطور الأنظمة واللوائح؛ بحيث تصبح المشاركة والتواصل والشفافية أدوات إدارية أصيلة.
لذلك.. من المفيد أن تسبق التطبيقات ذات الأثر الواسع حملة تواصل مؤسسي متكاملة: لقاءات مع الموظفين، وأمثلة عملية توضح كيفية احتساب المفاضلة، وقنوات رسمية للأسئلة، وإجابات واضحة عن الحالات المختلفة، ثم رصد الملاحظات خلال المرحلة الأولى من التنفيذ وإجراء ما يلزم من تحسينات وفق الأطر القانونية والتنظيمية؛ فالغاية في النهاية ليست أن يصدر القرار فقط، بل أن ينجح القرار، وهناك فرق كبير بين الأمرين.
لهذا يمكن أن تكون القاعدة الإدارية التي نحتاج إليها في المراحل المقبلة بسيطة في كلماتها، عميقة في أثرها: أولًا الحوار والنقاش، ثم التوضيح والإقناع، وبعدها يأتي التطبيق؛ فالقرارات الناجحة لا تبدأ عند توقيعها، بل تبدأ حين يفهمها الذي سيطبقها ويتأثر بها.
