سؤال التاجر على طاولة صانع القرار (1-2)

 

 

 

علي بن محمد بن جمعة اللواتي

ضع الفرصةَ نفسها أمام عقليْن: أرض متاحة، ومستثمر مُهتم، ومشروع يَعِد بوظائف. عقلٌ إجرائي يسأل: هل الطلب مكتمل؟ وهل تنطبق عليه الشروط؟ ومن الجهة المختصة بالموافقة؟ وعقلٌ تجاري يسأل: من سيشتري؟ وكم سيدفع؟ ومتى يعود المال؟ وماذا لو لم يتحقق الطلب المُتوقع؟

الأسئلة الأولى تحمي النظام والحقوق وعدالة المُعاملة، والثانية تختبر الجدوى وتحمي المال من الضياع. وحين تغيب الثانية، قد يكتمل المشروع في موعده وضمن ميزانيته ثم يبقى ضعيف الاستخدام، أو تحصل المبادرة على جميع الموافقات ولا تجد طلبًا يكفي لاستمرارها. عندها تكون الإجراءات قد أدّت وظيفتها، ويبقى الحساب الاقتصادي ناقصًا.

وقد يجتمع العقلان في الشخص نفسه. فالحس التجاري ليس حكرًا على التجار، والانضباط المؤسسي ليس عائقًا أمام النجاح الاقتصادي. لكن الاكتفاء بصحة الإجراء قد يجعلنا ننفّذ بكفاءة ما لم نختبر جدواه بما يكفي.

والمقصود بالحس التجاري في إدارة الاقتصاد: فهم الطلب، وحساب الكلفة الكاملة، والمفاضلة بين البدائل، والتأكد من توافر مقومات النجاح، ومعرفة متى نتوسع ومتى نراجع القرار. وتزداد قيمة هذه الممارسات حين تتعلق بموارد عامة تتنافس عليها احتياجات كثيرة.

وحين يفكّر التاجر في افتتاح محل، يبدأ بتصوّر من سيدخل إليه، وماذا سيشتري، وما الذي سيدفعه إلى العودة. ثم يختبر هذه التصورات ليحدّد الموقع والمساحة والتجهيزات والمبلغ الذي يستطيع استثماره. فالنتيجة التي يريدها ترشده إلى ما ينبغي أن يبدأ به.

وإدارة الاقتصاد تحتاج إلى المنطق نفسه. فإذا أردنا إنشاء سوق للمؤسسات الصغيرة؛ فالنهاية المطلوبة تجارة تمنح أصحابها فرصة للكسب والاستمرار. ومن هنا تأتي الأسئلة: من المشترون؟ وهل يصلون إلى الموقع بسهولة؟ وما الذي يجذبهم إليه؟ وهل تغطي المبيعات المتوقعة الإيجار والتشغيل وتترك هامشًا معقولًا؟

هذه الأسئلة قد تُغيِّر الموقع أو الحجم أو طريقة التشغيل، وقد تكشف أن أصحاب المؤسسات يحتاجون إلى منافذ في أسواق قائمة أكثر من حاجتهم إلى مبنى جديد.

والإجابة عنها تحتاج إلى أكثر من الاهتمام المعلن. فمن دروس التجارة أن الإعجاب بالفكرة لا يضمن شراءها؛ فقد يرحّب الناس بخدمة جديدة، ثم يترددون حين يعرفون سعرها، أو يكتشفون بديلًا أقرب إلى احتياجاتهم. ولهذا لا تكفي الطلبات الأولية وخطابات الاهتمام للحكم على جدوى مشروع. نحتاج إلى معرفة قدرة العملاء واستعدادهم للدفع، وبأي سعر، وبأي حجم وتكرار. وكلما اختبرنا ذلك قبل الالتزام الكبير، أصبحت التقديرات أكثر واقعية.

البداية من النهاية تعني أن نعرف ما نريد أن يحدث بعد الافتتاح، ثم نبني قراراتنا على الشروط اللازمة لحدوثه. ويشمل ذلك ما يحتاجه المشروع خارج حدوده، من خدمات وأنشطة مكملة ووسائل وصول وأسواق. فقد يكتمل البناء قبل أن تكتمل مقومات نجاحه.

ويعرف التاجر أن الانتظار له ثمن؛ فالبضاعة الراكدة تشغل مالًا ومساحة، والمستحقات المتأخرة تعطّل شراءً أو توسعًا، والفرصة التي تنتظر طويلًا قد تفقد قيمتها.

وحين ينتظر مستثمر ترخيصًا، قد يستمر في دفع الإيجار وكلفة التمويل ورواتب فريق لم يبدأ الإنتاج. وربما تنتهي صلاحية عروض الأسعار أو يتغير الطلب قبل أن يتمكن من التشغيل. هذه تكاليف يتحملها المشروع، وإن لم تظهر في ميزانية الجهة التي تنظر في طلبه.

ولهذا لا يكفي قياس مدة الإجراء، بل علينا أن نفهم ما تفعله هذه المدة بجدوى الاستثمار، وأن نسأل: ما كلفة التأخير الذي يمكن تجنبه؟ وهل تتناسب المراجعات المطلوبة مع حجم المخاطر؟

بهذا يصبح تسريع الإجراءات وإزالة التكرار فيها جزءًا من تحسين اقتصاديات المشروع. ويصبح وضوح الطريق قيمة في ذاته: أن يعرف المستثمر مسبقًا ما المطلوب، ومن يقرر، ومتى يتوقع الإجابة.

وقبل أن يستثمر التاجر، يسأل عن السوق وعن القواعد التي سيعمل في ظلها: كم ستأخذ الضرائب والرسوم من هامش الربح؟ وهل الاشتراطات واضحة ومستقرة يمكن البناء عليها؟ فالعائد الذي يُبنى عليه القرار يُحسب بعد الضرائب والرسوم وكلفة الامتثال.

ولهذا تؤثر المنظومة التشريعية والإجرائية والسياسات المالية والضريبية في جدوى المشروع. فالرسوم التي تفرضها جهات متعددة قد تبدو صغيرة منفردة وثقيلة مجتمعة، وقد تكون الضريبة معقولة في معدلها، لكن إجراءات الوفاء بها تفرض كلفة أكبر مما يلزم.

وإلى جانب مستوى الضرائب والرسوم، تهمّ قابليتها للتنبؤ؛ فالمستثمر يستطيع أن يخطط لكلفة معروفة، ويصعب عليه أن يخطط لقواعد تتغير فجأة. وتزداد حساسية المؤسسات الصغيرة لهذه الأعباء، لأن كلفة الامتثال الثابتة قد تستهلك نسبة أكبر من إيراداتها، ولأن قدرتها على استيعاب التغييرات المفاجئة محدودة.

ومن هنا تحتاج السياسات نفسها إلى السؤال التجاري: هل تعالج هذه الاشتراطات والإجراءات مخاطر فعلية، وهل تتناسب كلفة الالتزام بها مع حجم تلك المخاطر؟ وهل تساعد السياسات المالية والضريبية النشاط الذي نريد توسعه، أم تثقله دون قصد؟ وهل قيس مجموع ما يتحمله المشروع من متطلبات الجهات المختلفة؟ فالبيئة المُمكِّنة تقوم على قواعد واضحة ومتناسبة، وتغييرات معلنة بمهل مناسبة، وفهم لما تفعله هذه القواعد في حساب من سيستثمر.

يُتبع...

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z