علي المزروعي وسياسة اللغة.. من يملك اللغة يملك التاريخ

 

فوزي عمار **

المُفكّر علي بن الأمين المزروعي أفريقي من أصل عربي، وُلد في مدينة مومباسا الكينية سنة 1933. تعود أصول عائلته إلى سلطنة عُمان؛ حيث نزح أفراد هذه الأسرة في مطلع القرن السابع عشر الميلادي، وتولى أفرادها، بصورة متواصلة، حكم مدينة مومباسا في كينيا وما جاورها. كان جده يعمل قاضيًا في مومباسا، وكذلك والده، الذي عُيّن بعد ذلك رئيسًا للقضاة في كينيا. وكانت أول زيارة له إلى بلده الأم، سلطنة عُمان، في عام 1992م.

ألّف أكثر من 30 كتابًا، كما ساهم في إعداد الموسوعة التي أصدرتها اليونسكو تحت عنوان «تاريخ أفريقيا». وأنتج في عام 1986 سلسلة أفلام وثائقية لصالح التلفزيون البريطاني بعنوان «الأفارقة: الإرث الثلاثي». وقد أطلق المزروعي فكرة «أفريبيا»، وهي تجمع حضاري يؤكد عمق الروابط التاريخية والثقافية والحضارية بين العرب والأفارقة على ضفتي البحر الأحمر وبحر العرب.

في عام 1975، نشر علي المزروعي كتابًا حمل عنوانًا لا يبدو سياسيًا في ظاهره: «علم الاجتماع السياسي للغة الإنجليزية». لكن الكتاب لم يكن عن قواعد اللغة ولا عن نحوها، بل عن شيء أعمق: كيف تحدد اللغة من يحكم؟ ومن يُستبعد؟ ومن يفكّر؟ كان المزروعي يرى أنَّ اللغة ليست وعاءً محايدًا للتواصل، بل بنية سلطة تصوغ الوعي وتوزع الامتيازات.

ومن لا يدرك ذلك يظن أنه يتكلم، بينما اللغة هي التي تتكلم من خلاله.

حذّر المزروعي من أن تعلُّم اللغة الإنجليزية في أفريقيا قد ينطوي على عملية تغريب ضمنية. فالمشكلة لم تكن في المفردات وحدها، بل في السياق: مؤسسات على النمط الغربي، ومناهج مستوردة، وقيم تُنقل مع الحروف اللاتينية. رأى أن الاستعمار الأوروبي لم يكتفِ بالسيطرة على الموارد الطبيعية، بل استهدف الهوية الثقافية للأفارقة. وكانت اللغة إحدى أهم أدوات هذا الاستهداف: فمن يكتب بلغة المستعمر يرى العالم بعيني المستعمر حتى وهو يقاومه.

لكن المزروعي لم يتوقف عند النقد السلبي. كان يدرك أن اللغة الإنجليزية أصبحت واقعًا لا يمكن إنكاره. وقال في كتاب «قوة بابل» إن واحدًا من كل خمسة سود على وجه الأرض لغته الأم إحدى اللغات الأوروبية. هذه حقيقة تاريخية لا يمكن مواجهتها بالإنكار. والسؤال عنده لم يكن كيف نتخلص من الإنجليزية، بل كيف نستخدمها دون أن تستخدمنا؟

هنا تأتي المفارقة الكبرى في فكر المزروعي. رأى أن اللغة الإنجليزية نفسها يمكن أن تكون أداةً لإعادة أفرقة الأفارقة، ووسيلةً لتقديم القارة للأفارقة وللعالم في الوقت نفسه، وسبيلًا لاستدعاء التقاليد المفقودة. هو نفسه كتب بها، لكنه كسرها ودمجها بالسواحيلية والعربية، فأنتج لغة هجينة حملت تجربة أفريقية خاصة. لم يكن يقلد الإنجليزية، بل كان «يؤفرقها».

ذهب المزروعي إلى أبعد من ذلك. قال إن المقاومة ضد الحكم الأجنبي في أفريقيا لم تصبح «قومية» إلا عندما أصبح قادتها يتحدثون الإنجليزية. فالإنجليزية في أفريقيا هي أداة هيمنة وأداة تحرر في الوقت نفسه.

لم تكن إشكالية المزروعي نظرية فقط. كان يعيشها في جسده. والده كان قاضيًا في كينيا الاستعمارية، وأرسل المزروعي إلى إنجلترا لاستكمال تعليمه. تلقى تعليمه في مانشستر وأوكسفورد وكولومبيا، وعاد ليدرّس في جامعة ماكيريري الأوغندية، ثم في جامعات أمريكية. كان يتنقل بين السواحيلية والعربية والإنجليزية، بين كينيا وأوغندا وبريطانيا وأمريكا. هذا التنقل لم يكن مجرد سيرة شخصية، بل كان مختبرًا حيًا لسؤال اللغة والهوية.

في كتاب «قوة بابل»، الصادر عام 1998 بالاشتراك مع ابنه ألمين المزروعي، طرح الأب والابن سؤالًا مباشرًا: هل تنفصل اللغة عن الحكم؟ وكان الجواب صادمًا في بساطته: لا. فمن يتحدث لغة القانون والمحاكم والإدارة، يملك سلطة القرار. ومن يُستبعد من هذه اللغة، يُستبعد من السلطة. لهذا رأى المزروعي أن عدم استخدام اللغات الأفريقية الأصلية في العملية القانونية يضر بسيادة القانون نفسه، ويضر باللغات الأصلية التي تُهمَّش يومًا بعد يوم.

لكن المزروعي لم يكن يرى اللغة بمعزل عن التاريخ. كان يرى أن أفريقيا تحمل «تراثًا ثلاثيًا» تتنافس فيه التقاليد الأصلية والإسلامية والغربية. اللغة الإنجليزية جزء من هذا التراث الثالث، لكنها ليست التراث الوحيد. والسواحيلية، التي كانت لغة التجارة والدين على الساحل الشرقي لأفريقيا قبل الاستعمار، هي تراث آخر. والعربية، لغة القرآن والفقه، هي تراث ثالث.

لهذا لم يكن المزروعي يدعو إلى إلغاء أيٍّ من هذه اللغات، بل إلى وعي نقدي بموقعها. اللغة الإنجليزية ليست بريئة، لكنها ليست شرًا محضًا. والسواحيلية ليست مقدسة، لكنها ليست مجرد لغة محلية. والمسألة ليست أيَّ لغةٍ نتحدث، بل من يملك شروط الحديث، ومن يفرض معاني الكلمات.

القول إن اللغة «أداة تواصل» تبسيط مُفيد، لكنه لا يصمد أمام سؤال السلطة. اللغة ليست أداة، بل ساحة معركة. من يسيطر على اللغة، يسيطر على الذاكرة. ومن يسيطر على الذاكرة، يسيطر على المستقبل.

الإنجليزية في أفريقيا كانت لغة المستعمر، ثم صارت لغة المقاومة، ثم صارت لغة السلطة الجديدة. والسواحيلية كانت لغة التجار، ثم صارت لغة الاستقلال، ثم صارت لغة تُتهم بالانفصال. والعربية كانت لغة الدين، ثم صارت لغة الأقلية، ثم صارت لغة يبحث عنها من فقد هويته. من يملك اللغة، يملك الرواية. ومن يملك الرواية، يملك التاريخ.

** كاتب ليبي

الأكثر قراءة

z