سُلطان بن خلفان اليحيائي
في الذكرى الثانية لاستشهاد السيد حسن نصر الله أمين عام حزب الله في لبنان، يعود السيد إلى الذاكرة من جديد وتعود معه الأسئلة حول الرجل المجاهد الذي ترك أثرًا واضحًا في مسيرة المقاومة والصراع مع الكيان الصهيوني. وقد تختلف الآراء حوله وحول حزب الله ومواقفه السياسية والعسكرية لكن القضية التي حملها في صدارة خطابه ومسيرته لا تزال قائمة وفي مقدمتها قضية فلسطين والمسجد الأقصى.
ومن الوفاء للشهيد القائد ألا يختصره التاريخ في لحظة اغتياله ولا في منصبه الذي شغله؛ بل إن يُقرأ أثره في مسار طويل من المواجهة؛ فقد كان اسمه حاضرًا بقوة في حسابات خصومه حتى غدت خطاباته محط ترقّب واسع. ففي نوفمبر 2023 كانت الأنظار تتجه إلى خطابه الأول بعد السابع من أكتوبر وسط تساؤلات حول ما إذا كان سيعلن توسيع المواجهة أو يذهب بها إلى مرحلة أخرى.
ولم تكن تلك المكانة وليدة الخطاب وحده. فقد وصلت المواجهة إلى ما هو أبعد من الحدود عندما ظهرت مسيّرات الاستطلاع وهي تكشف مواقع حساسة داخل فلسطين المحتلة. جاء «الهدهد» الأول بمشاهد من حيفا ومرافقها ثم جاء «الهدهد» الثاني بمشاهد من الجولان المحتل ومواقع عسكرية عدة.
ثم جاءت الصواريخ والمسيّرات الانقضاضية لتؤكد أن ما وراء الحدود لم يعد بعيدًا عن عين المقاومة ولا عن مدى نيرانها. ومع انطلاق طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023 أعلن حزب الله دخوله في مواجهة على الحدود اللبنانية إسنادًا لغزة وفق ما أعلنه الحزب. وفي تلك المرحلة ارتبط اسم حسن نصر الله في أذهان خصومه بجبهة مفتوحة واحتمالات لم يكن من السهل تجاهلها.
ومن مجموع هذه المواقف والأفعال يمكن أن يُفهم موقع حسن نصر الله في ذاكرة المقاومة دون حاجة إلى مبالغة في وصفه. فعندما تستحضر الأمة أسماء صلاح الدين الأيوبي وقطز والظاهر بيبرس فإنها تستحضر قادة ارتبطت أسماؤهم في الذاكرة بمواجهة المعتدين والدفاع عن الأرض والمقدسات. وفي هذا السياق يمكن أن تُقرأ سيرة حسن نصر الله كتجربة معاصرة لرجل اختار طريق المقاومة ودفع ثمن اختياره حتى النهاية.
ومن هذا المعنى يمكن أن ننظر إلى ما جرى بعد غيابه في لبنان. فلو كان السيد حسن نصر الله حيًّا اليوم فهل كانت الحكومة اللبنانية ستجلس مع الكيان المحتل على طاولة واحدة وتتفاوض معه في الوقت الذي كان فيه حزب الله يقاتل في الميدان؟ وهل كانت ستتجه إلى اتفاق يقضي بنزع سلاح الحزب بينما الصراع لم يكن قد وضع أوزاره؟
قد لا نملك إجابة يقينية عن سؤال افتراضي كهذا. لكن العبرة ليست في الجزم بما كان سيحدث وإنما في النظر إلى ما حدث فعلًا بعد غيابه. فقد تغيّر المشهد اللبناني وبرزت إلى الواجهة قضايا السلاح والتفاوض والحدود وتوازنات الداخل والخارج بصورة تفرض على المتابع أن يتساءل: هل كان غياب الرجل مجرد غياب قائد أم أن المنطقة دخلت بعده مرحلة مختلفة من الحسابات؟
والمجاهد الذي جعل مواجهة الكيان الصهيوني عنوانًا أساسيًا في مسيرته رحل وترك خلفه إرثًا من المواقف والخطابات والمواجهات التي ستظل موضع قراءة ونقاش بين مؤيديه وخصومه. لكن رحيله لم ينهِ القضية التي ارتبط بها ولا الصراع الذي ظل حاضرًا في المنطقة.
وفي فلسطين كان الرثاء للشهيد القائد حسن نصر الله حاضرًا في أوساط فلسطينية استحضرت مواقفه وموقعه في وجدانها. لكن ماذا بقي للفلسطينيين بعد استشهاده وبعد أن توالى فقدان عدد من قادتهم؟ لم يبقَ في كثير من المشهد إلا بيانات باهتة صارت أيسر من جمع المواقف وأسرع من تحويلها إلى أفعال.
غزة لم تكن تنتظر بيانًا جديدًا بقدر ما كانت تنتظر موقفًا يترجم ما تقوله العواصم إلى فعل. ومع اتساع المأساة بقي السؤال قائمًا: ماذا تصنع البيانات إذا ظلت الأرض محتلة والدماء تُراق؟
وهنا تصبح العبارة أكثر قسوة: البيانات المستهلكة لم تحرر فلسطين؛ فالبيان قد يعلن موقفًا لكنه لا يغيّر واقعًا. والخطاب قد يرفع المعنويات لكنه لا يحمي طفلًا تحت الركام. والتنديد قد يثبت موقفًا سياسيًا لكنه لا يكفي وحده إذا لم يتبعه فعل يترك أثرًا.
حتى أصبح جمع البيانات أيسر من جمع المواقف.
أما السيد حسن نصر الله فقد ارتبط اسمه طوال عقود بمواجهة الكيان الصهيوني وبالدفاع عن القضية الفلسطينية وفق الرؤية التي تبناها وحملها في خطاباته ومواقفه. ثم رحل في 27 سبتمبر 2024 في غارة إسرائيلية آثمة على الضاحية الجنوبية لبيروت أدت إلى استشهاده.
﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾
وقد يختلف الناس حول الرجل وحول خياراته السياسية والعسكرية لكن اختلافهم لا يلغي أن فلسطين والقدس كانتا حاضرتين في خطابه ومساره. وقد رحل في لحظة كانت فيها المنطقة تعيش واحدة من أشد مراحلها اضطرابًا ودموية.
وفي الجهة الأخرى من المشهد عُدّ اغتياله إنجازًا عسكريًا من جانب الكيان الغاصب. لكن اغتيال القائد لا يعني نهاية القضية التي ارتبط بها ولا إغلاق الطريق الذي سار فيه أنصاره. فالقضايا الكبرى لا تنتهي برحيل أصحابها ما دام هناك من يحمل معناها ويؤمن بها.
ولهذا فإن الحديث عن حسن نصر الله بعد عامين من رحيله لا ينبغي أن يكون مجرد استعادة لاسم رجل غاب وإنما قراءة لمسار كامل ارتبط بالمقاومة وفلسطين والقدس وبسنوات طويلة من الصراع مع الكيان المحتل.
والطريق الذي اختاره حسن نصر الله لم يكن طريقًا سهلًا ولا طريقًا يمكن اختزاله في الكلمات والشعارات. كان طريقًا شديد الكلفة دفع ثمنه من حياته حتى النهاية. وليس كل من قال أنا مسلم قادرًا على أن يسلك طريقًا بهذه التكاليف وأن يثبت على ما اختاره من موقف حتى نهايته.
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾
رحم الله السيد حسن نصر الله. رحم الله الشهيد القائد الذي غاب جسده وبقيت الأسئلة التي تركها وراءه: ماذا فعلت الأمة لفلسطين؟ وماذا صنعت بياناتها أمام الدم والركام؟ ومن يحمل قضية القدس عندما تتكاثر البيانات وتتراجع المواقف؟
رحل نصر الله ولم ترحل فلسطين. غاب القائد ولم تغب القضية. وبقيت القدس حاضرة في وجدان من يرون فيها قضية تتجاوز الأشخاص والأعمار والحدود.
ولعل أعظم ما يبقى من سيرة كل شهيد أن يُنظر إلى حياته لا إلى لحظة رحيله فقط وأن يُقرأ ما تركه من أثر بعيدًا عن المبالغة أو الانتقاص. أما حسن نصر الله فقد اختار طريقه ومضى فيه حتى النهاية.
رحمة الله عليك أيها القائد الشهيد.
