الطب الإسلامي والطب الحديث.. تكامل أم تصادم؟ (2) **

أسس وركائز الطب الإسلامي

 

أ.د. حيدر بن أحمد اللواتي **

تحدثنا عن البُعد الأخلاقي والإنساني في طب الحضارة الإسلامية والتي مازال أثره ممتد ليومنا هذا، من خلال الميثاق الأخلاقي والقسم الذي يقوم طلبة الطب بأدائه حين تخرجهم وحصولهم على إجازة ممارسة مهنة الطب، وسنتحدث في هذا الجزء عن الركائز والأسس العملية التي قام عليها الطب الإسلامي.

فمن الناحية العلمية التطبيقية، قام علم الطب الإسلامي بنيويًا على ذات الأسس النظرية والعلمية التي قام عليها الطب اليوناني قديما، دون تغيير في جوهرها، متبنيًا بالكامل ركيزتين صاغهما أبقراط وشرحهما جالينوس؛ وهما نظرية الأخلاط والأمزجة الأربعة، ونظرية الأبخرة الفاسدة أو الهواء الفاسد المعروف تاريخيًا بـ"المايزما"، وتفسر الركيزة الأولى طبيعة الجسم البشري وصحته بناءً على توازن أربعة سوائل أساسية تجري في البدن وتُنتجها الأغذية؛ أولها "الدم" وهو خلط حار رطب، وكان يعتقد بأنه يتولد في الكبد ويمد الجسم بالحياة والدفء، وثانيها "البلغم" وهو خلط بارد رطب، ويتواجد في الدماغ والأنسجة اللمفاوية ويعمل كمرطب ومُليّن لأعضاء الجسد، وثالثها "الصفراء" وهو خلط حار يابس، يختزن في المرارة ويسهم في تفتيت الأغذية وتنشيط الأمعاء، ورابعها "السوداء" وهو خلط بارد يابس، ينفصل إلى الطحال ويمنح الأعضاء صلابتها وقوامها، وترتبط هذه الأخلاط الأربعة بعناصر الطبيعة (النار، الهواء، الماء، التراب)، كما تحدد "المزاج العام" للإنسان؛ حيث عُدَّ المرض- طبقًا لهذا الأساس- بأنه ليس خللًا موضعيًا في عضو معزول، بل هو انحراف أو غلبة لخلط من هذه الأخلاط على بقية السوائل مما يُفسد التوازن الكلي. وتأسست بناءً على ذلك طرق العلاج الفيزيائي كـ"الفصد والحجامة"؛ حيث قامتا على أساس جراحي لاستفراغ الخلط الدموي الزائد أو الفاسد لإعادة التوازن للبدن.

بينما مثلت الركيزة الثانية الأساس السببي للأمراض والأوبئة العامة كمرض الطاعون؛ حيث ساد الاعتقاد بأن العوامل الخارجية للمرض لا تعود إلى عدوى ميكروبية، بل إلى تغير يطرأ على الجو العام نتيجة تصاعد أبخرة رديئة وفاسدة من المستنقعات أو النفايات، تَدخل إلى الرئتين وتُفسِد أخلاط الجسد الداخلية. وعلى الرغم من أن بعض الملاحظات التي لاحظها الأطباء المسلمون كانت تتعارض بوضوح مع ركائز علم الطب المشار اليها، إلّا أنهم حاولوا التوفيق بين تلك الملاحظات وبين الركائز التي بُنِيَ عليها علم الطب آنذاك، ويتجلى ذلك بوضوح عند الجراح الأندلسي أبي القاسم الزهراوي، الذي رصد طفيليات مرئية كـ"علة البقر" والديدان المعوية، وأثبت بالدليل المادي المباشر أنها كائنات حية مسببة للأمراض يجب استئصالها جراحيًا، لكنه كان مخلصًا لركائز علم الطب وقام بمحاولة ذكية للتوفيق بين هذا الكشف الميداني وبين نظريات عصره السائدة، فلم يرفض "الأخلاط الأربعة"، بل دمج الفكرتين معًا؛ حيث اعتبر أنَّ الفساد أو الاختلال الخلطي داخل البدن هو البيئة الخصبة والأرضية التي تتولد وتنشأ منها هذه الطفيليات.

ومن هنا فإنَّ التفريق بين الطب اليوناني والإسلامي يغدوا أمرًا بالغ الصعوبة، فأُسس الطِبَّيْن واحدة لا فرق بينهما، لكن الأطباء المسلمون نقلوا الطب إلى فضاء الملاحظة الصارمة وتدوين الأعراض والتجارب العلمية، فمثلًا اشتُهِر عن أبي بكر الرازي تجربته الشهيرة عندما أراد تحديد الموقع الأفضل لبناء مستشفى في بغداد، فقام بتعليق قطع من اللحم الطازج في أحياء مختلفة من المدينة مراقبًا سُرعة تعفُّنها، ليختار المكان الذي تأخر فيه الفساد كونه يتمتع بأساس بيئي نقي وأقل عرضة للأبخرة الفاسدة. ومَثَّل هذا الفَهم ركيزة أساسية لتخطيط الرعاية الطبية؛ حيث شُيِّدت المستشفيات في أماكن مرتفعة وعُزلت الأوبئة وطُيِّب الهواء لحمايته من الفساد، مضافًا إلى ذلك أنه جرى تقنين العلوم الدوائية وفصلها كعِلم مستقل، ووُضِعَ الأساس الأخلاقي والمهني الصارم الذي يضبط الممارسة الطبية.

واستمرت هذه الأُسس تحكم علم الطب واشتهر علماء المسلمين وغدا كتاب ابن سينا "القانون في الطب" مرجعًا مُقدَّسًا في دراسة الطب. وفي القرن الثالث عشر برز طبيب عبقري آخر من علماء الحضارة الإسلامية وهو ابن النفيس الذي امتلك جسارة علمية فريدة استندت إلى دقة المشاهدة والتدقيق التشريحي ليُعلن اكتشاف الدورة الدموية الصغرى، وبذلك أبطل ابن النفيس الفرضية اليونانية القديمة التي نادت بوجود ثقوب غير مرئية في الحجاز الفاصل بين بطيني القلب، مُبرهنًا على أن جدار القلب صلد وأملس، وأن الدم مضطر للارتحال إلى الرئتين ليُتنقى قبل أن يعود إلى الشطر الأيسر من القلب، وقد عُدَّ هذا الاكتشاف أولى التصدُّعات في أركان الطب اليوناني.

وللحديث بقية...

**********

** سلسلة من المقالات تُعرِّف بالطب الإسلامي وتُقارِن أُسسه مع أُسس الطب الحديث

** كلية العلوم، جامعة السلطان قابوس

الأكثر قراءة

z