الأصم يحلم بالأصوات

 

 

 

 

ماجد بن علي الهادي

(عندما يطرق باب سمعك صوتٌ مشحونٌ بالحزن تأكَّد بأنه ماضيك وأنت جنين!).

 

تنفصم الهوية عندما تغتالها المراهقة والعقل في حالة هيجان النمو والنضج، تنفصم الهوية في أوج عطاءها وهي تتلظى تحت هشيم الذكرى والذكريات، تنفصم الهوية في الحالة السديمية للخلايا العصبية وهي ملتفة وملتوية كعناقيد العنب حول شجرة الناقلات العصبية المغذية للفهم والإدراك. وبعد أن تنفصم تستنجد بركيزة الثقة والتي ستكون على صورة أو شاكلة أو شخصية كانت تعيش معها لحظة التشتت والضغوطات المختلفة.

لكن تلك الركيزة غير مأمونة ولا مضمونة في الاتكاء والاعتماد إن واكبها وارتبط بها شيء آخر مناكف لذلك المضاهي. ستتضارب المفاهيم وستتضاد الأهداف وستصطدم مع بعضها البعض. لأن الصورة الذهنية ستصبح محملة بهدفين يسيران في طريق واحد ولكنهما يتفرقان في المسار الهدفي. ذلك الذي يستشعره العقل ويرفضه القلب، وهذا الذي يهواه القلب ويرفضه العقل وقد يكونا عقلين بجسدين أو عقلان بجسد واحد. كلاهما سيمثلان انفصام الهوية وكلاهما سينهشان بعضهما بعض.

المُر في الأمر سخرية العقل لذاته وهو يرى نفسه مترنحا بين مد عطاء الجدية وجزر أخذ الهزل من معين الأحداث المتتالية، والتي ستكون في عالمه متكررة، بينما هي في الحقيقة ليست سوى امتداد للعمر وتحديث للبيانات المخزنة. رغم ذلك فإن البينة تفرض نفسها في واقع الأمر وتحاول أن تفصل بين ما هو هزلي وما هو جاد وما هو خيالي وما هو واقع معاش. هذه البينة في حقيقة الأمر لا تنفك تضغط وتحاول مرارا وتكرارا لإثبات أحقية التعايش العقلي مع المدركات الحياتية، أحقية العيش في مباهج الحياة بطبيعتها دون شك أو خوف.

هذه البينة عادة ما تكون مغلفة بالانتباهات أو المدركات التي نجح العقل فيها ترميم ذاته، واستطاع من خلالها سد ثغرات التصدعات التراكمية التي كان يعيشها في وقت ما ولحظة ما، استحوذت رياح الجهل على منافذ بوابات التلقي بامتياز. ستتوالى الدروس بكل تأكيد لتفصل الإنفصام وتفصله، وهذه المتوالية الشرسة في مواقفها سلاح ذو حدين فأما أن تكون البداية لانفتاح الهوية الذهنية أو النهاية للانغلاق التام المحكم بالاندثار.

ويعتمد ذلك على مدى التجاوب المستوعب لمفهوم التوازن الذهني العقلي، الاستيعاب يحكمه منهج والمنهج تحكمه قواعد وأسس وكلها تنصب في إطار (العقل اللاواعي الجماعي) هذا الذي من خلاله تتوافق في سمائه كل العقول البشرية على مختلف منطوق لسانها. هل الأصم لا يحلم بالأصوات؟! وهل الأعمى لا يرى نفسه في الحلم وهو بصير؟!

في العالم المخفي يكون عالم آخر، في العالم المخفي يكون الإدراك فيه من جنس آخر ولكنه حقيقي بالنسبة للعقل الباطن، حقيقي لأنه يلمس المشاعر ويحرك الأحاسيس من خلال ردة الفعل. هذه الحقيقة المنهجية ستكون ضمن شروط الضبط لكل ما هو مدرك ومستوعب، ولذلك حتما سينجح العقل من التحرر من مغبة انفصام الهوية. اذن؛ فالرؤية لماهية الانفصام للهوية لا ترى بل تستشعر، ولا تفسر بل تعاش من خلال المواقف. يصدقها العقل حين من الدهر، ثم ينكرها ويلبسها ثوب العتمة والضبابية، فتحتار الحواس وتضطرب لتغدو كما ترى ظاهريا، لكنها في حقيقة أمرها تتشخصن في الإطار الذي تمرأى لها.

هذا الجانب النفسي العميق لا تخمد ناره ولا تتذبذب أصواته، خلق مع النطفة وتشكل مع أنفاس الروح الحاضنة له في حينه. لذلك فالموائمة متواكبة مهما تباعدت الأجساد، حتى وإن غطى التراب أحدهما، ستكون وتيرة الإحساس متلازمة مع كل حدث وظرف. كيف لا وكل الأرواح البشرية ذاقت احتضان أرواح أمهاتها وهي أجنة، ألم يكن ذلك عالمين متداخلين؟ ألم تكن أنفاس متوحدة في نفس واحد؟. وعقل الجنين بالتأكيد كان يتغذى من عقل أمه، وأعني هنا بالغذاء الفكري والشعور الحسي. ذلك الذي يحمل في طياته الكثير والكثير من المواقف المختلفة بأحزانها بأفراحها وأتراحها. عدم إدراك العقل الكبير (عمرًا) بماهيته وهو صغير لا ينفي وجوده وهو في تلك الوضعية، كما لا يستنكر تفكيره مع عدم الإدراك وهو كبير.

لذلك لا تندهش أو تنصدم عندما تجد نفسك في صورة قد ألفتها وأنت لم تعشها، ومكان يبادلك السكون المألوف وروحك تلتحف سماءه أول مرة في حياتك. هي انبعاثات (حسية، فكرية، تراكمية) سمها ما شئت، لكن عقلك يعيشها شئت أم أبيت، ويحدثك عنها بين حين وآخر، ولا تملك إزاءها إلا الابتسام.. قد تكون ابتسامة تعجب أو إنها ابتسامة سخرية. وفي الحالتين هي ترجمة ذهنية لواقعك الذي آمنت به وصنعته.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z