عائشة بنت أحمد البلوشية
جملة تداولها العرب منذ العصور القديمة، لذلك استعارها الكثير من الشعراء في قصائدهم، وهذا ما قاله الشاعر العباسي أبو العتاهية:
جَسَدٌ لِقَبرِكَ يُستَعارُ وَمَدى خُطاكَ لَهُ قِصارُ..
إِنَّ الحَرائِقَ لَفظَةٌ وَعَظيمُ النارِ مِن مُستَصغَرِ الشَرَرِ.
وهذا للدلالة على أن النار لا تبدأ عظيمة، بل تبدأ بشرارة بسيطة، ثم تكبر وتنتشر وتتعاظم.
كانت عقارب الساعة تشير إلى الثامنة من مساء يوم الأربعاء السابع عشر من سبتمبر الجاري، وكنت قد فرغت للتو من صلاة العشاء؛ فأمسكت بهاتفي أرسل رسالة نصية، وما هي إلا هُنيهة وانقطع التيار الكهربائي في الدور الأول من المنزل، فقفزت نحو باب الغرفة لاستطلع الأمر لتصفع أنفي رائحة بلاستيك محروق، وكانت صالة الجلوس هي التي استرعت انتباهي بسبب الدخان الأسود المتسرب، ودخلتُ لأرى النار قد تشبثت بالمكيف والأثاث، فشهقت مُستلطفة أقدار الله: "بسم الله"، ثم تلفَّتُ حولي لأرمي بأي شيء على النار المُشتعلة في الأثاث في محاولةٍ مني لقطع الهواء عن النار، ودخل ابني تركي الذي خلع فانيلته وتلثَّم بها لنبدأ معًا في محاولة الإطفاء، وكان يصرخ "بلاستيك"، حتى لا استنشق ذلك الدخان كريه الرائحة، وأخذت أنادي على زوجي وابني بندر اللذيْن كانا في الطابق الأرضي للاتصال بالطوارئ، فهب بندر راكضًا درجات السلم، وهو يخلع فانيلته ويتلثم بها حتى لا يستنشق الدخان، وبالعمل الجماعي واستخدام طفاية الحريق ودلاء الماء تمكنَّا- بفضل الله- من إطفاء النار، ولكن دخان البلاستيك المحترق الأسود كان قد انتشر داخل المنزل وانطلق ليملأ الأجواء، ووصل الدفاع المدني وسيارة الإسعاف وطوارئ الكهرباء خلال دقائق معدودة بعد الاتصال. وقد احتجتُ للإسعاف بسبب استنشاق كمية لا بأس بها من الدخان، وأصيبت يد بندر بـ"عضة الصقيع" نتيجة لتسرب بعض من غار ثاني أكسيد الكربون السائل من طفاية الحريق. وهنا أنتهز وجود سطوري في هذا المنبر وأتوجه بجزيل الشكر إلى هيئة الدفاع المدني والإسعاف، ولكل من عبدالحميد الأنصاري، ومروان الحديدي بشكل خاص بعميق الامتنان والشكر على جهودهم المقدرة، فقد ظل هذان الشابان يتعاملان مع الموقف بهدوء ورحابة صدر ويوجهان لي الأسئلة بكل احترام، فأحسستُ لحظتها بأنَّ لي أربعة أبناء وأنا في سيارة الإسعاف، وقلتُ لهما إنَّني فخورة بهما وبكل شباب عُمان المتفاني، وظلا يقيسان المؤشرات الحيوية ويقدمان العلاج والإسعافات حتى وصلنا إلى طوارئ المدينة الطبية لجامعة السلطان قابوس؛ حيث استودعاني الطاقم الطبي الموجود، الذي لم يدخر جهدًا حتى استقرت حالتي وخرجت من المستشفى بفضل الله تعالى بعد تلقي العلاج المناسب.
كانت شرارة صغيرة تلك التي تسببت في ذلك الحريق الذي لم يكن بسيطًا، وكلنا نعلم أن النار إذا اشتعلت تقضي على كل شيء أمامها، وما رويته هو جزء صغير من أحداث كثيرة حدثت، وحريق النار المشتعلة يمكن إطفاؤه بالماء أو التراب أو بأجهزة الإطفاء الحديثة، ونتعرض للإصابات التي تترك ندوبًا لا تزول طول العمر، بل إن عمليات التجميل قد لا تستطيع إخفاءها، ولكن يمكن نسيان ألمها بعد حين، ولكن تلك الحرائق التي تشعلها كلمة، فتسبب في حرق جسور المودة والرحمة بين الأرحام، أو الأصدقاء، هل تندمل؟ هل تشفى؟
يقول الإمام الشافعي (يرحمه الله): كل الحوادث مبدأها من النظر // ومعظم النار من مستصغر الشرر.
وهنا يلفت الانتباه في قصيدته إلى ما يمكن لنظرة بسيطة أن تفعله من ضرر، ورغم أنها نظرة ولكن عواقبها قد تكون وخيمة عندما تشعل نارًا في قلب العاشق، وكذلك هي الكلمة التي تنطلق في لحظة كرصاصة تصيب قلب متلقيها، فربما تقتله، أو تهدم علاقة استمرت عمرا بأكمله، أو تتسبب بقطيعة تدوم لأجيال، يجب أن لا نستيهن بكلماتنا، ويجب ألا نزدري من يتلقاها، فرب كلمة كانت أعظم من أفعال كثيرة، ورب قول رفع صاحبه مقاما عليا، ورب همسة أشعلت نار حرب ضروس، راح ضحيتها آلاف مؤلفة.
تخيروا كلماتكم قبل أن تنطقوها، وأعدوا العدة بأفواهكم ليوم لا ريب فيه، واستغفري الله عن كلمة قد تكون خرجت من بين شفاهكم دون قصد، وكونوا حاضرين بالخير وقول الخير دوما، ولا تكونوا مواقد لنيران الشر بألسنتكم، فإننا في زمن أحوج ما نكون إلى طيب الكلام وصادق النصح، وحتى إن رأينا نارًا أعيننا أو سمعناها بآذاننا، لنطفئها في مكانها قبل أن تنتشر.
---------------------------------------------
توقيع:
"أَلَستَ الَّذي غَذَّيتَني وَهَدَيتَني//
وَلا زِلتَ مَنّاناً عَلَيَّ وَمُنعِما.
عَسى مَن لَهُ الإِحسانُ يَغفِرُ زَلَّتي//
وَيَستُرُ أَوزاري وَما قَد تَقَدَّما"
الإمام الشافعي
