إسماعيل بن شهاب البلوشي
لعلني وأنا مقبل على منطقة حفيت، وأرى العمل الدؤوب يمتد على الأرض، والآلات تتحرك، والمسار يأخذ شكله شيئًا فشيئًا، أستشعر أنَّ شيئًا جديدًا يقترب من عُمان؛ ليس مجرد قضبان حديدية تمتد فوق الأرض، ولا قطارًا سيعبر الحدود بين دولتين، وإنما مشهد جديد يدخل ذاكرتنا وحياتنا وثقافتنا: وأخيرًا سنرى القطار.
ذلك القطار الذي سيربط سلطنة عُمان بدولة الإمارات العربية المتحدة لا أراه وسيلة نقل وحسب. فالطريق حين يصل بين بلدين تجمعهما الجغرافيا والتاريخ والقرابة والمصالح، يصبح أكثر من طريق، والجسر يصبح أكثر من جسر، والقطار كذلك يصبح خطًا آخر يصل القلوب قبل المدن، ويضيف إلى المحبة والعزوة والعمق الاستراتيجي والمصالح المشتركة رابطًا ماديًا يتحرك كل يوم أمام أعين الناس.
ولعل منظر السكة أعادني، دون أن أشعر، إلى قراءات قديمة كثيرة؛ إلى ذلك الحضور العجيب للقطار في تاريخ البشرية. قليل من وسائل النقل ارتبطت بالإنسان وذاكرته كما ارتبط القطار. منذ أن اندفعت القاطرات البخارية الأولى وهي تنفث الدخان وتجر خلفها العربات، لم يكن القطار مجرد اختراع صناعي، بل أصبح مسرحًا متحركًا للحياة.
على أرصفته كان هناك دائمًا قادم ومغادر، ولقاء ووداع، وجندي يمضي إلى الحرب، وأم تنتظر ابنها، وعاشق يراقب نافذة عربة تبتعد، ومسافر يحمل حقيبة صغيرة ولا يعرف ماذا ينتظره في آخر الطريق. وفي عرباته كتبت الروايات، وصُورت الأفلام، ودارت المؤامرات، وعبرت الجيوش، وهرب الناس من الحروب، وعاد المنتصرون والمنكسرون. كان القطار شاهدًا على الحب والحرب، وعلى قيام المدن واتساع التجارة وتحول المجتمعات.
ولهذا، عندما أرى اليوم خط القطار يولد على أرضنا، لا أستطيع أن أنظر إليه باعتباره مشروعًا هندسيًا فقط؛ فالقطار يحمل ثقافته معه.
أجيال كثيرة في عُمان والخليج عرفت السيارة والطائرة والسفينة، لكنها لم تعش القطار جزءًا من حياتها اليومية. وربما يوجد بين شبابنا اليوم من ركب أحدث الطائرات وجاب دولًا بعيدة، لكنه لم يقف يومًا على رصيف محطة ينتظر قطارًا يصل في موعده، ولم يجلس قرب نافذته يراقب الأرض والجبال والقرى وهي تتحرك أمامه ببطء جميل.
إنها تجربة مختلفة.
في الطائرة تقفز فوق المكان، أما في القطار فإنك تعبره. ترى تضاريسه، وتقرأ المسافة، وتقترب من المدن والقرى، وتشعر بأن الجغرافيا نفسها ترافقك. وربما لهذا كان القطار عبر التاريخ رفيقًا للرواية والشعر والسينما؛ لأنه يمنح الإنسان وقتًا للنظر والتأمل والحديث، ويجعل الرحلة نفسها جزءًا من الحكاية، لا مجرد زمن ينبغي التخلص منه للوصول إلى الوجهة.
وهنا أتمنى ألا نتعامل مع القطار القادم بوصفه وسيلة جديدة نضيفها إلى وسائلنا القديمة ثم نمضي. الأجمل أن يكون بداية لتغيير ثقافة التنقل نفسها.
لقد أصبح اعتمادنا على السيارة كبيرًا إلى درجة أن كثيرًا من رحلاتنا الفردية تتم بمركبات تحمل شخصًا واحدًا لمسافات طويلة. ومع نمو المدن وازدياد السكان وحركة التجارة، لن يكون الحل دائمًا في إضافة طريق إلى طريق، ومواقف إلى مواقف، وسيارات إلى سيارات. العالم الذي سبقنا طويلًا في استخدام القطارات لم يفعل ذلك حنينًا إلى الماضي، وإنما لأن النقل الجماعي المنظم يستطيع أن يقدم خيارًا عمليًا آخر إلى جانب الطريق والطائرة.
ولعل نجاح هذا الخط يفتح الخيال لما بعده. فلماذا لا يأتي يوم نستطيع فيه أن نتحرك بين مدن الخليج بقطارات مريحة وسريعة، يركب الإنسان من عُمان ليصل إلى أبوظبي أو دبي، ثم إلى مدن خليجية أخرى، من غير أن تكون السيارة هي خياره الأول في كل رحلة؟ عندها لن تتغير وسائل النقل وحدها؛ ستتغير نظرتنا إلى المسافة والزمن والسفر، وربما تتغير حتى علاقتنا بالمدينة والمكان.
وللقطار أيضًا معنى آخر أراه مهمًا: أن المشاريع الكبرى بين الدول ليست خرائط واتفاقيات وأرقامًا فقط؛ قيمتها الحقيقية تظهر عندما يلمسها الإنسان العادي. عندما يركب مواطن عُماني القطار من بلده، وتجلس إلى جواره أسرة إماراتية، ويتحرك الجميع على خط واحد، تصبح العلاقة بين البلدين شيئًا يُعاش، لا شيئًا يُكتب فقط في البيانات الرسمية.
وهكذا كانت السكك الحديدية دائمًا: تبدأ بقضيبين متوازيين من الحديد، ثم تنتهي بتغيير الاقتصاد والمجتمع والذاكرة.
وربما بعد سنوات، عندما يصبح صوت القطار مألوفًا لدينا، لن يشعر أطفال ذلك الزمن بالدهشة التي نشعر بها نحن اليوم. سيصبح بالنسبة إليهم أمرًا طبيعيًا، كما أصبحت السيارة والطائرة بالنسبة إلينا. وقد يكتب أحدهم رواية تبدأ من محطة قطار عُمانية، أو قصة حب حدث لقاؤها الأول في إحدى العربات، أو حكاية رجل كان ينظر من النافذة إلى جبل حفيت وهو في طريقه إلى عُمان. وقد تصبح المحطات أماكن للقاء والوداع، وتحمل كل واحدة منها آلاف القصص الصغيرة التي لا تسجلها كتب التاريخ، لكنها تصنع ذاكرة الشعوب.
وهنا تكمن رومانسية القطار الحقيقية؛ فنحن لا نستقبل آلة فقط، بل نستقبل مساحة جديدة للحياة.
وحين أمر اليوم وأشاهد الرجال والآلات وهم يشقون المسار، أتخيل اليوم الذي تختفي فيه ضوضاء الإنشاء، وتكتمل القضبان، ثم يظهر من بعيد ذلك الجسم الطويل متقدمًا بثبات، يحمل داخله عشرات وربما مئات الوجوه والقصص والوجهات.
عندها ربما نتوقف لحظة ونقول ببساطة، وبشيء من دهشة الطفل الذي بقي في داخلنا: وأخيرًا… رأينا القطار.
لكن الأجمل من رؤيته أن نحسن استقباله؛ أن نجعله بداية لثقافة نقل جديدة، وأن نرى فيه ما هو أبعد من الحديد والمحطات والسرعة. أن يكون طريقًا آخر بين عُمان والإمارات، وطريقًا آخر نحو الخليج، وطريقًا جديدًا في خيال أجيالنا.
فقد كتب القطار فصولًا طويلة من تاريخ العالم، من عصر البخار إلى الكهرباء والتقنيات الحديثة، وها هو اليوم يقترب ليكتب فصلًا صغيرًا من تاريخنا نحن.
ولعل أجمل ما في هذا الفصل أنه لم يُكتب بعد.
بالأمس كنَّا نناقش طريق صلالة نناقش اندماج الشاحنات بالسيارات الأخرى والأخطار الكبيرة في ذلك، كنا نناقش الفكر والانشغال بالقيادة وما جعل من ذلك تأخر في إنتاج وصناعة الجديد في عالم التطوير فهل يغير القطار الفكر ولمس الهدوء والتفرغ للقراءة للتواصل للتوفير للسلامة
وبعد كل هذا فإن عتبي كبير وعلى الدولتين لماذا استبعدت عبري لماذا لم تكن محطة عبري ومنها إلى صلالة في حساب المهندس؟ لماذا عبري سقطت من حساباتكم؟
