أصحاب السبت

 

 

وداد الاسطنبولي

حين جلستُ في مسرح التراث بصلالة، في قاعة أوبار، لمُشاهدة مسرحية "أصحاب السبت"، ضمن فعاليات مهرجان ظفار الدولي للمسرح في نسخته الثانية لعام ٢٠٢٦م، والتي قدمتها فرقة السلطنة للثقافة والفن، من تأليف أسامة زايد وإخراج مرشد راقي، لم أكن أمام إعادة حرفية للقصة القرآنية التي نعرفها، كما كنت أظن حين قرأت عنوانها، بل أمام قراءة مسرحية اتخذت من "أصحاب السبت" مدخلًا إلى عالم الإنسان الكادح؛ ذلك الإنسان الذي يعمل ولا يتوقف، حتى يُصبح جسده أشبه بآلة لا تعرف السكون.

كانت الإضاءة مناسبة للمشاهد، والموسيقى تؤدي دورها الشعوري في كل حدث وموقف، وخاصة عند دوران الممثلة أفنان شاهر من جمهورية مصر العربية، التي جسدت شخصية "درية"، أثناء دورانها بالثوب الأبيض الفضفاض.

كانت تدخل بين المشاهد وتدور بحركات لافتة، وكأنها تعبر من عالم إلى عالم. وكان هذا الإيحاء واضحًا من خلال تسليط الإضاءة الفضية، وخروج بلورات ضوئية من انعكاسات الإضاءات الأخرى، فأجاد منسق الإضاءة في إحكام هذا المشهد، إلى أن كُشف لنا بعدها أنها ليست حاضرة كإحدى الشخصيات، بل هي روح لشخص متوفى.

وكان حضورها من أكثر ما شدني؛ فدورانها لم يكن مجرد حركة جمالية، بل بدا وكأنَّه دوران بين الحياة والموت، بين ما يحدث على خشبة المسرح وما تركه الموت خلفه.

وكان معها شباب يؤدون حركات بأيديهم وأجسادهم، توحي بأنهم آلات تعمل بلا توقف، وهنا يصبح الجسد نفسه لغةً مسرحية؛ حركة تتكرر، ويد تعمل، وجسد يكدح، وكأنَّ الإنسان قد فقد حقه في أن يتوقف.

كل سبت موعد للدفع، والمالك يأتي ليأخذ ما يفرضه عليهم من مال، وإذا لم يجد ما يريد، كان العقاب أشد قسوة؛ إذ يُحرمون من الطعام، وتم ذكر الخبز والذرة. وكم من قراءات قرأتها، أجد تكرار الخبز فيها يعود إلى ذاكرتي؛ فشعرت أن الخبز ليس مجرد طعام، بل أصبح رمزًا للحياة، ومن يملك القدرة على منحه أو منعه، يملك سلطة على الإنسان نفسه.

وفي أحد المشاهد، كانت امرأة تبحث عن الطعام لأطفالها، حتى وصلت بها الحاجة إلى أن تفكر في بيع نفسها من أجل المال، ثم نكتشف في النهاية أنَّ الأطفال قد ماتوا. مشهد قاسٍ، لكنه يجعلنا نعيد النظر في معنى الفقر، حين لا يبقى للإنسان حتى الحق في إنقاذ من يحب.

أما الرجل الكادح، الذي ظل يعمل تحت وطأة المالك والضرائب، فقد انتهى به الأمر إلى إحراق نفسه، لتغلق المسرحية دائرتها عند أقسى نقطة؛ حين يتحول الكدح من وسيلة للعيش إلى سبب لفقدان الحياة.

ومع ذلك، فالمسرحية، بقدر ما حملت من مشاهد مؤثرة وقاسية، كان فيها حديث عن الصبر والتحمل ومواجهة الصعاب؛ وكأن "أصحاب السبت" في القراءة المسرحية لا يمثلون فقط من وقعوا تحت القهر، بل يمثلون الإنسان وهو يواجه، يومًا بعد يوم، ما يثقل كاهله.

وحضرت في المسرحية إشارات إلى بعض القصص القرآنية، ومنها الغراب الذي علّم الإنسان كيف يواري سوءة أخيه، وإلى الموت والدفن، كما حضرت عبارات بقيت عالقة في الذاكرة، منها: "عبثية الحياة" و"اذهبوا أنتم الطلقاء".

وبين هذه الرموز كلها، بقيت الفتاة البيضاء تدور...

تدور كأنها روح ترى ما لا نراه، وكأنها تذكّرنا بأن الإنسان، مهما طال به الكدح، ومهما ظن أنه يملك الوقت، فإن الحياة في النهاية عابرة.

والجميل في هذه التجربة أن ظفار احتضنت هذا الحضور المسرحي، واستقبلت عروضًا وممثلين قدموا من أقطار عربية مختلفة، إلى جانب عروض أخرى تتنافس في الساحة المسرحية في أماكن أخرى من المنطقة، في محاولة للوصول بأعمالها إلى مساحة أوسع، وإلى جوار النخبة.

وهنا لا يعود المسرح مجرد خشبة وستارة وممثلين، بل يصبح مساحة تلتقي فيها التجارب، وتتبادل فيها الثقافات أصواتها، وتصبح صلالة جزءًا من هذا الحراك الفني.

خرجتُ من "أصحاب السبت" وأنا لا أفكر في القصة وحدها، بل في الإنسان الذي يعمل حتى يتعب، ويصبر حتى يظن أن الصبر وحده لا يكفي، وفي الخبز الذي قد يبدو بسيطًا، لكنه يصبح، عند الحرمان، أعظم ما يبحث عنه الإنسان.

ربما كانت تلك هي الرسالة التي بقيت معي:

أن الإنسان ليس آلة، وأن الحياة، مهما أثقلت كاهله، لا ينبغي أن تفقده إنسانيته.

وفي الختام، لا بد من كلمة شكر لكل من كان خلف هذا العمل؛ لمخرج المسرحية ومؤلفها، وللممثلين، ولكل القائمين على العرض، الذين اجتمعوا ليقدموا لنا تجربة مسرحية تحمل الفكرة والرمز والجمال.

وشكرًا لفرقة السلطنة للثقافة والفن على هذا العمل، ولكل من أسهم في أن تصل "أصحاب السبت" إلى خشبة مسرح التراث بصلالة، وتترك لدى المشاهد مساحة للتأمل والسؤال.

وهناك ملاحظة بسيطة لا علاقة لها بأحداث المسرحية، لكنها ربما تكون إشارة للمعنيين: قاعة أوبار قاعة لها مكانتها، ويتهافت عليها الجمهور في مثل هذه اللقاءات، ولذلك ربما تحتاج إلى بعض الإضاءة الأرضية، التي تساعد المشاهد على معرفة وجهته عند الدخول والخروج؛ إذ كانت العتمة شديدة، وقد تجعل الحركة في القاعة أكثر صعوبة.

ومع ذلك، تبقى ملاحظة صغيرة أمام تجربة مسرحية تستحق التقدير والاحتفاء.

 

الأكثر قراءة

z