من الدعم إلى الشراكة.. المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قاطرة الاقتصاد الوطني (2-2)

 

 

 

د. علي بن حمدان البلوشي **

 

تقدم التجارب الدولية شواهد عديدة على قدرة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على صناعة فرص العمل ودعم النمو. وتبين منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة التي تضم بين 10 و249 موظفا أسهمت، في المتوسط، في ايجاد وظائف جديدة بنسبة تفوق المؤسسات الكبيرة في عدد من الاقتصادات التي شملتها المقارنة؛ كما أن مجموعة محدودة من المؤسسات سريعة النمو كانت مسؤولة عن حصة كبيرة من الوظائف الجديدة التي خلقتها المؤسسات النامية.

وهذه النتيجة مهمة لأنها تكشف أن الهدف ليس أن تظل المؤسسة صغيرة إلى الأبد. فهناك مؤسسة صغيرة تؤدي دورها في سوق محلي، وهناك أخرى لديها القدرة على أن تصبح مؤسسة متوسطة ثم كبيرة، أو تتحول إلى شركة مصدرة، أو تصبح جزءًا من سلسلة توريد صناعية أو لوجستية أو تقنية.

ومن هنا فإن السياسات الاقتصادية الناجحة هي التي لا تكتفي بإنشاء المؤسسات، وإنما تساعد القادر منها على النمو والتوسع وتوليد وظائف جديدة.

هنا في سلطنة عُمان، اكتسب قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة أهمية واضحة ضمن التوجه نحو تنويع الاقتصاد وتعزيز دور القطاع الخاص وتحقيق مستهدفات رؤية "عُمان 2040".

وقد جاء إنشاء هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة بموجب المرسوم السلطاني رقم 107/2020 ليؤكد وجود إطار مؤسسي مخصص لتنمية القطاع، مع اختصاصات تشمل وضع الخطط والسياسات والتشريعات والبرامج المرتبطة بتطوير المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال.

والأهم من الإطار المؤسسي هو وضوح الرؤية التي أكدها حضرة جلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم- حفظه الله ورعاه- حيث جاء في النطق السامي في 23 فبراير 2020 أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة وريادة الأعمال، ولا سيما المشاريع القائمة على الابتكار والذكاء الاصطناعي والتقنيات المتقدمة، إلى جانب تدريب الشباب وتمكينهم، يمكن أن تكون "لبنة أساسية في منظومة الاقتصاد الوطني".

وهذا التوجيه يضع القطاع في موقع يتجاوز فكرة الرعاية الاجتماعية أو تقديم المساعدات؛ فهو يربطه مباشرة ببناء الاقتصاد الوطني، وبالابتكار والتكنولوجيا وتدريب الشباب.

كما تتماشى هذه الرؤية مع توجهات عُمان 2040 نحو اقتصاد متنوع ومستدام، وتعزيز دور القطاع الخاص، وإعادة تشكيل العلاقة بين القطاعين الحكومي والخاص، وتحسين بيئة الأعمال والقدرة التنافسية.

وتوفر هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة اليوم مجموعة من الأدوات والخدمات، تشمل التدريب والخدمات الاستشارية وبرامج التوجيه وجاهزية رائد العمل ومصادر التمويل والامتياز التجاري وغيرها.

ومع أهمية ما تحقق، فإن المرحلة المقبلة تتطلب النظر إلى التحديات التي تواجه المؤسسات العُمانية من زاوية أكثر شمولا.

فالمؤسسة لا تحتاج فقط إلى تمويل تأسيسها، وإنما تحتاج إلى أن تعرف: أين ستعمل؟ ومن سيشتري منتجها؟ وكيف ستصل إلى السوق؟ وما تكلفة العمالة والطاقة والنقل؟ وكيف ستنافس؟ وما فرص التصدير؟ وهل تستطيع الدخول في سلسلة توريد لمشروع كبير؟

كما أن تنوع الأنشطة الاقتصادية يجب أن يحظى باهتمام أكبر، بحيث لا تتكدس المؤسسات في قطاعات متشابهة بينما تبقى فرص أخرى في الصناعة والتقنية والخدمات اللوجستية والصيانة والتصنيع الغذائي والسياحة والاقتصاد الرقمي والخدمات المتخصصة وغيرها بحاجة إلى مؤسسات وطنية قادرة على الدخول إليها.

ويحتاج ذلك إلى مراجعة مستمرة للأنظمة والإجراءات والرسوم والتراخيص، بما يحقق التوازن بين حماية المصلحة العامة وبين عدم تحميل المؤسسة الصغيرة تكاليف وإجراءات لا تتناسب مع حجمها.

وقد شهدت السنوات الماضية بالفعل خطوات حكومية في هذا الاتجاه، ومنها إلغاء وتخفيض عدد من الرسوم في بعض القطاعات في إطار تحفيز الاقتصاد وبيئة الأعمال، وهو ما يعكس أهمية مراجعة تكلفة ممارسة النشاط بصورة مستمرة.

لكن الإصلاح لا ينبغي أن يتوقف عند الرسوم؛ فالمؤسسة تحتاج إلى منظومة تشريعية وإجرائية مستقرة وواضحة، وإلى سرعة في إنجاز المعاملات، وإلى معلومات دقيقة، وإلى قنوات فعالة للاستماع إلى أصحاب الأعمال وقياس أثر السياسات عليهم.

ربما يكون المجال الأهم لتطوير قطاع المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلطنة عُمان هو الانتقال من مفهوم الدعم المباشر إلى مفهوم الشراكة الاقتصادية مع المشاريع الكبرى.

والمشاريع الكبرى التي تنفذها الدولة أو القطاع الخاص يمكن أن تصبح مصدرا مستداما للفرص أمام المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال بناء سلاسل توريد محلية حقيقية.

المطلوب هنا ألا تقتصر المشاركة على أعمال محدودة أو مؤقتة، وإنما أن تدخل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في قطاعات مثل الصيانة، والنقل، والخدمات اللوجستية، والتقنية، والتوريد، والتصنيع المساند، والخدمات الهندسية، والخدمات المهنية، وإدارة المرافق، والتغذية، والسياحة، وغيرها بحسب طبيعة كل مشروع.

لكنَّ هناك شرطًا أساسيًا لنجاح هذه الفكرة: التنوع. فإذا أصبحت المؤسسات الصغيرة والمتوسطة مجرد شركات تابعة للمؤسسات الكبرى أو شركات مملوكة بصورة مباشرة أو غير مباشرة للمجموعة نفسها، فلن نكون قد وسعنا قاعدة المستفيدين، وإنما أعدنا توزيع النشاط داخل دائرة محدودة.

أما المطلوب فهو إنشاء قاعدة واسعة من المؤسسات المستقلة والمتخصصة، تمتلك قدراتها وإدارتها وميزانياتها وعلاقاتها السوقية، وتتنافس فيما بينها على أساس الجودة والسعر والكفاءة، مع توفير الفرص لها للدخول في سلاسل التوريد الخاصة بالمشاريع الكبرى.

وهذا يتطلب تعاونًا حقيقيًا من الشركات الكبرى وأصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة معا، وتنظيما ومتابعة من الجهات الحكومية، بحيث لا تتحول سياسة المحتوى المحلي إلى مجرد أرقام، وإنما إلى بناء قدرات إنتاجية مستدامة.

وتنسجم هذه الفكرة مع ما تؤكد عليه وثائق رؤية عُمان 2040 بشأن التكامل والشراكة بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة والمؤسسات الكبيرة، ودور القطاع الخاص في التشغيل والاستثمار والمشروعات والبرامج الوطنية.

نجاح هذه المنظومة لن يكون مسؤولية الحكومة وحدها فالحكومة مطالبة بتوفير التشريعات والبيئة المناسبة، وتسهيل الإجراءات، وتحسين الوصول إلى التمويل، وفتح الفرص، وربط السياسات بالنتائج.

والشركات الكبرى مطالبة بأن تنظر إلى المؤسسات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها جزءًا من منظومة الأعمال وليس مجرد مورد ثانوي يمكن الاستغناء عنه.

أما أصحاب المؤسسات الصغيرة والمتوسطة فعليهم مسؤولية مقابلة ذلك بالتطوير المستمر، والالتزام بالجودة، وإدارة أعمالهم بمهنية، والاستثمار في العاملين، والالتزام بالعقود، والشفافية المالية، والتدريب، واستخدام التكنولوجيا.

ومن دون هذه المسؤولية المشتركة قد يتحول الدعم إلى اعتماد دائم، بينما المطلوب هو بناء مؤسسات تستطيع الوقوف على قدميها والمنافسة والنمو.

إن مستقبل المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في سلطنة عُمان لا ينبغي أن يقاس بعدد المؤسسات المسجلة فقط، وإنما بعدد المؤسسات التي تستمر، وتنمو، وتوظف، وتصدر، وتبتكر، وتدخل في سلاسل الإنتاج الوطنية، وتتحول مع الوقت إلى مؤسسات قادرة على المنافسة داخل السلطنة وخارجها.

وهنا تأتي الحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم الدعم نفسه: من تمويل قصير الأجل إلى استثمار في القدرة؛ ومن حماية المؤسسة إلى تأهيلها للمنافسة؛ ومن تقديم فرصة واحدة إلى بناء سوق مستدام؛ ومن إنشاء مؤسسة منفردة إلى بناء شبكة متكاملة من المؤسسات المستقلة والمتخصصة؛ فالمؤسسة الصغيرة والمتوسطة ليست مشروعا صغيرا بالضرورة؛ قد تكون نواة لمشروع كبير، أو حلقة أساسية في سلسلة إنتاج، أو مصدرا لعشرات الوظائف، أو بوابة لابتكار جديد، أو بداية لصناعة وطنية كاملة.

ولهذا فإن دعم هذا القطاع ليس تكلفة تتحملها الدولة، وإنما استثمار في قاعدة الاقتصاد نفسه. وكلما اتسعت قاعدة المؤسسات المنتجة، اتسعت قاعدة فرص العمل، وتنوعت مصادر الدخل، وتوزعت التنمية بصورة أفضل بين المحافظات والمجتمعات.

وفي النهاية، إن الاقتصاد الوطني القوي ليس ذلك الذي يضم عددا محدودا من الشركات العملاقة فحسب، وإنما ذلك الذي يستطيع أن يبني حولها آلاف المؤسسات القادرة على الإنتاج والتوريد والابتكار والتوظيف. ومن هنا.. فإن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة يجب أن تكون جزءا أصيلا من مشروع التنمية العُمانية، لا باعتبارها مستفيدا من التنمية فقط، بل باعتبارها شريكًا في صناعتها ومحركا من محركاتها ومصدرا مستداما لفرص العمل والنمو.

** مستشار أكاديمي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z