◄ العبري: تطبيق المخالفات دون مراعاة اختلاف حجم المنشآت وطبيعة أعمالها لا يحقق الأهداف المطلوبة
◄ الهنائي: المخالفات ضد المؤسسات الصغيرة تأتي في وقت تواجه فيه تحديات كبيرة
◄ المحاربي: نحتاج إلى خطة واضحة لضمان استدامة عمل المؤسسات
◄ البلوشي: المشكلة تكمن في اعتبار التفتيش حملة أمنية تنعكس سلبياتها على بيئة الأعمال
الرؤية- ناصر العبري
يؤكد عدد من المواطنين والمختصين أن الإفراط في توقيع العقوبات والمخالفات ضد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة دون النظر إلى التحديات التي تواجهها قد يؤدي إلى إغلاق الكثير منها. وأضافوا- في تصريحات لـ"الرؤية"- أن التفتيش العمالي يمثل أداة أساسية لضمان الالتزام بالقانون وتحقيق العدالة بين مختلف المنشآت، لكن يجب أيضا أن يكون الهدف من التفتيش هو تصحيح أوضاع المؤسسات وليس تحصيل أكبر عدد من المخالفات، مشيرين إلى أنه من الضروري التفرقة بين المؤسسات الكبيرة والمؤسسات الصغيرة حين النظر إلى المخالفات البسيطة.
ويقول عمر بن حميد العبري عضو سابق في مجلس إدارة غرفة تجارة وصناعة عُمان بمحافظة الظاهرة، إن تنظيم سوق العمل ليس خيارًا إداريًا عابرًا بل ضرورة وطنية تفرضها حماية حقوق العاملين، وتعزيز التعمين، ورفع كفاءة سوق العمل، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية عُمان 2040، ولذلك فإن التفتيش العمالي يمثل أداة أساسية لضمان الالتزام بالقانون وتحقيق العدالة بين مختلف المنشآت، ولا يمكن النظر إليه باعتباره عبئًا على القطاع الخاص، بل هو جزء من منظومة تنظيمية تستهدف إيجاد سوق عمل أكثر انضباطًا وتوازنًا، لافتا إلى أن نجاح هذه المنظومة لا يقاس فقط بعدد الزيارات التفتيشية أو المخالفات المسجلة، وإنما بقدرتها على تصحيح أوضاع المنشآت، وتعزيز امتثالها، وحماية استدامة النشاط الاقتصادي، وتهيئة بيئة أكثر قدرة على استيعاب وتشغيل الكفاءات الوطنية.

ويبيّن: "من واقع تجربة عملية سابقة أرى أن النقاش حول التفتيش والمخالفات ينبغي ألا يُختزل في ثنائية «مع التفتيش أو ضده»، فالقضية أوسع من ذلك بكثير؛ إذ إن المطلوب هو الوصول إلى معادلة متوازنة تجمع بين هيبة القانون وواقعية التطبيق، والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة ليست جميعها على درجة واحدة من حيث حجم الأعمال والقدرة المالية والإدارية وطبيعة النشاط والموقع الجغرافي، فهناك فرق بين منشأة كبيرة تمتلك موارد بشرية وإدارية ومالية تمكنها من التعامل مع المتطلبات التنظيمية، وبين مؤسسة صغيرة قد يكون صاحبها هو المدير والعامل والمحاسب في الوقت ذاته، ويعتمد على عدد محدود من العاملين، ويعمل بهامش ربح محدود في سوق تتفاوت فيه القوة الشرائية من منطقة إلى أخرى، ولهذا، فإن تطبيق المعايير والإجراءات ذاتها دون مراعاة اختلاف حجم المنشآت وطبيعة أعمالها قد لا يحقق دائمًا الغاية المرجوة من الرقابة، فالمؤسسة الصغيرة ليست مؤسسة كبيرة بحجم أصغر؛ بل لها طبيعة اقتصادية وإدارية مختلفة، وتواجه في كثير من الأحيان تكاليف تشغيل مرتفعة، وطلبًا محليًا محدودًا، وصعوبة في الوصول إلى بعض الكفاءات أو الوظائف المناسبة، خصوصًا في عدد من المحافظات والمناطق خارج المراكز الاقتصادية الكبرى".
ويطالب العبري بأن تكون الإجراءات الرقابية والعقوبات متناسبة مع طبيعة المخالفة وحجم المنشأة وظروف نشاطها، خصوصًا عندما يكون صاحب المشروع قد أبدى جدية واضحة في تصحيح وضعه، ولم تكن المخالفة ناتجة عن تعمد أو تحايل، مبينا أن التدرج في الإجراءات التصحيحية والعقوبات يمكن أن يكون أكثر فاعلية في التعامل مع كثير من المخالفات غير الجسيمة، وذلك بالإنذار ثم منح مهلة محددة ثم المتابعة ثم الانتقال إلى العقوبة عند عدم التصحيح، مع ضرورة التفريق بين من يرفض الالتزام وبين من يريد الالتزام لكنه يحتاج إلى فرصة ووقت وأدوات تساعده على ذلك.
كما يشدد على ضرورة اعتماد تصنيف أكثر دقة للمنشآت عند التعامل مع المخالفات، يأخذ في الاعتبار حجم المنشأة وطبيعة نشاطها وموقعها الجغرافي، مع الاستفادة من الأطر والحوافز المخصصة للمؤسسات الصغيرة والمتوسطة، مؤكدا أن حماية العامل وصاحب العمل ليستا قضيتين متعارضتين بالضرورة؛ فالمؤسسة المستدامة هي التي تستطيع أن توفر فرص عمل مستقرة، وتدفع أجورًا منتظمة، وتلتزم بالقانون، وتوسع نشاطها، وتستوعب مزيدًا من الكفاءات الوطنية، ولذلك فإن المعادلة المنشودة ليست «رقابة أم استدامة»، وإنما «رقابة من أجل الاستدامة».
بدوره، يرى عبدالله بن محمد بن ناصر الهنائي أن إجراءات التفتيش والمخالفات ضد المؤسسات الصغيرة والمتوسطة قد تكون سببا في إغلاق الكثير من هذه المؤسسات وانسحابها من السوق، لافتا إلى أن حملات المخالفات تأتي في وقت تواجه فيه هذه المؤسسات تحديات كبيرة تتمثل في تكاليف التشغيل وضعف القوة الشرائية والمنافسة القوية مع المراكز التجارية وارتفاع الأسعار، وذلك إلى جانب المخالفات الأخرى التي تأتي من جهات أخرى كالبلديات والبيئة وحماية المستهلك وصندوق الحماية الاجتماعية وجهاز الضرائب وغيرها، مستنكرا توقيع العقوبات على هذه المؤسسات التي يجب دعمها لإسهامها في الحركة الاقتصادية وإنعاش السوق المحلي.

ويشير إلى أن هذه المؤسسات الصغيرة رغم قدرتها المالية المتواضعة إلا أنها قاومت التحديات من أجل الاستمرارية وخدمة المجتمع المحيط، متسائلا: "هل يعقل أن تعاقب مثل هذه المحلات بمخالفات قيمتها آلاف الريالات؟".
ويقول: "ندرك أن بعض القوانين والقرارات قد تصلح في نطاق جغرافي معين ولا تصلح في موقع آخر، وهذا تحكمه مجموعة من المحددات البشرية والمالية والمكانية والزمانية، فعند تطبيق هذه القرارات ينبغي مراعاة ذلك لتتحقق العدالة المنشودة حتى تكون هذه القرارات مقبولة لدى الجميع، كما أن التدرج في تطبيق القوانين وخاصة التي تتضمن مخالفات الغرامات المالية أمر ضروري مع مراعاة المقدرة المالية للمؤسسة المخالفة ومراعاة النسبة والتناسب".
ويطالب الهنائي بإلغاء المخالفات التي تم رصدها على المؤسسات الصغيرة والمتوسطة خلال الفترة الماضية، ومنحها فرصة لتصحيح أوضاعها وتأهيل موظفي التفتيش والضبطية تأهيلا قانونيا لأداء مهامهم بطريقة سليمة، وتطبيق القرارات بمهنية عالية وفهم واضح، بالإضافة إلى أهمية استثناء المؤسسات الصغيرة من قرار التعمين لأن مقدرتها المالية لا تمكنها من تطبيق هذا القرار، وكذلك استثناء أو مراعاة المحلات التجارية الصغيرة ذات الدخل المالي المنخفض في القرى والبلدان ذات الكثافة السكانية القليلة والقوة الشرائية الضعيفة.
ويقول ياسر بن فاضل المحاربي عضو المجلس البلدي ممثل ولاية بدبد: "نحن لسنا ضد الحملات التفتيشية المخالفة لقوانين العمل، ولكن ما تقوم به الفرق التفتيشية الآن لا يندرج تحت قانون محدد يضمن حق صاحب هذه المؤسسة أو الشركة، وخاصة في ظل الظروف الاقتصادية الحالية، ولدينا أمثلة كثيرة في ذلك، منها كأن يتم مخالفة صاحب العمل لأن لديه أكثر نشاط تجاري في مؤسسته، فيقوم الفريق بمخالفته لأن أحد العمال يعمي في نشاط أو وظيفة ليست وظيفته المحددة في بطاقة الإقامة، مع أنه يعمل في نفس المؤسسة ولدى نفس الكفيل، وهذا عبء كبير على المؤسسات، لأن المؤسسة قد تمر بتحديات تشغيلية مثل إجازات العمال السنوية أو الإجازات المرضية".

ويضيف: "نتمنى أن يكون لدى وزارة العمل خطة واضحة، تعزز استقرار أصحاب المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وأن يتم مراعاة حجم النشاط وموارده الضعيفة".
وفي السياق، يؤكد محمد بن علي البلوشي أن المؤسسات الصغيرة والمتوسطة تشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، إذ تمثل الغالبية العظمى من المنشآت المسجلة، وتستوعب نسبة كبيرة من القوى العاملة في القطاع الخاص، ولذلك تبرز أهمية مواءمة إجراءات التفتيش العمالي وآليات فرض المخالفات مع طبيعة هذه المؤسسات وقدرتها على الاستمرار في ظل الظروف الاقتصادية الراهنة.
ويشير إلى أن وزارة العمل تسعى من خلال حملات التفتيش إلى تنظيم سوق العمل وحماية حقوق طرفي الإنتاج، إلا أن تطبيق المعايير ذاتها على المؤسسات الكبرى والمؤسسات الصغيرة يثير تساؤلات مشروعة؛ إذ لا تملك المنشأة الصغيرة الموارد الإدارية ولا الكوادر المتخصصة التي تملكها المنشأة الكبرى لمتابعة كل التحديثات الإجرائية والالتزامات القانونية، مبينا أن أبرز المخالفات المسجلة تتمثل في تشغيل القوى العاملة بطريقة غير مشروعة، وتشغيل العمالة في مهن مخصصة للعُمانيين، إضافة إلى عدم التزام بعض المنشآت بنسب التعمين المقررة، وأنه في كثير من الحالات، لا تكون هذه المخالفات ناتجة عن تهرب متعمد، بل عن جهل بالإجراءات أو ضعف في القدرة الإدارية.
ويضيف البلوشي أن الإشكالية تكمن في أن بعض الغرامات تُحتسب على أساس "لكل عامل"، مما يجعل المخالفة الواحدة قادرة على توليد مبلغ يتجاوز القدرة المالية لمنشأة صغيرة، إذ إن المؤسسة الصغيرة لا تملك احتياطيًا نقديًا يوازي المؤسسة الكبرى، وقد تتحول الغرامة إلى عبء يتجاوز صافي أرباحها لعدة أشهر، مما يهدد استمرارها ويُفقد الاقتصاد منشأة منتجة، مضيفا: "وذلك إلى جانب الرعب النفسي والاجتماعي الذي يسببه فريق التفتيش للعمالة الوافدة، والذي قد يدفع بعض العمال إلى خيارات مأساوية تصل حد فقدان الحياة، لأن العامل الوافد الذي يعمل في منشأة صغيرة غالبًا ما يكون في وضع قانوني هش، إما بسبب انتهاء تصريحه، أو بسبب انتقاله من صاحب عمل لآخر دون تسوية رسمية، أو لأن صاحب العمل نفسه لم يُكمل إجراءاته، وعندما يرى فريق التفتيش يداهم المنشأة فجأة، فإن رد فعله الأول ليس التفكير في التسوية القانونية، بل الهروب، وهذا الهروب ليس مجازيًا، حيث سُجّلت حالات سقط فيها عمال من أسطح المبانٍ أثناء محاولتهم الفرار من فرق التفتيش، وآخرون سقطوا من شرفات الشقق التي كانوا يختبئون فيها، وهذه الحوادث وإن كانت فردية في ظاهرها إلا أنها تكشف عن مناخ خوف يجعل العامل يرى في المفتش خطرًا على حياته، لا جهة تُصحح وضعه".
ويذكر البلوشي أن المشكلة تتفاقم عندما يُنظر إلى التفتيش ليس كإجراء إداري، بل كحملة أمنية، لأن بعض العمال يخشون الترحيل أو الاحتجاز أو الابتزاز من وسطاء غير رسميين يستغلون الخوف لاستنزاف ما تبقى من مدخراتهم، وقد يصل الأمر ببعضهم إلى تفضيل المخاطرة بحياته على مواجهة الترحيل بخفي حنين، خاصة إذا كانت وراءه التزامات مالية لعائلته في بلده، لافتا إلى أن هذا البعد الإنساني لا يمكن تجاهله عند تقييم سياسات التفتيش، لأن المفتش الذي يدخل المنشأة لا يتعامل مع "مخالفة قانونية" فحسب، بل مع إنسان قد يكون خائفًا، مدينًا، أو ضحية لظروف لم يصنعها بنفسه، وإذا لم يُدرَّب فريق التفتيش على التعامل مع هذه الحساسية، فإن النتيجة قد تكون كارثية على مستوى الفرد والأسرة والمجتمع.
ويلفت البلوشي إلى أن المؤسسات الصغرة والمتوسطة تواجه تحديات أخرى مثل ضعف القدرة المالية وعدم قدرة المؤسسة على الاكتفاء بعمالتها الحالية في كثير من الأحيان، ليس بسبب نقص الأيدي العاملة، بل بسبب أن حجم العمل المتاح لا يكفي لتشغيل عدد أكبر، أو لأن طبيعة النشاط موسمية أو متغيرة، إلى جانب أعباء متطلبات التعمين والرسوم المرتبطة بها، لأن المؤسسة التي تقدمت بطلب توظيف عامل عُماني قد تجد نفسها أمام تكلفة شهرية مرتفعة نسبيًا، إذا ما أُضيفت إلى الراتب الأساسي اشتراكات التأمينات الاجتماعية والمزايا الأخرى التي يفرضها القانون، وهذه التكلفة قد تدفع صاحب المؤسسة إلى إعادة النظر في جدوى التوسع أو حتى الاستمرار
ويطالب البلوشي بحلحلة هذه التحديات من خلال إيجاد نظام للتصالح، بحث يستطيع صاحب العمل طلب التصالح مع الوزارة لتفادي الملاحقة القضائية، مقابل الالتزام بتصحيح المخالفة خلال مدة محددة، أو وقف الخدمات لحين تصحيح الأوضاع، إلى جانب تنفيذ برامج توعوية تستهدف بشكل خاص المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لتعريفها بالالتزامات القانونية وسبل الامتثال.
وبين أن التفتيش العمالي يمثل أداة أساسية لضمان الالتزام بالقانون وتحقيق العدالة بين مختلف المنشآت، ولا يمكن النظر إليه باعتباره عبئًا على القطاع الخاص، بل هو جزء من منظومة تنظيمية تستهدف إيجاد سوق عمل أكثر انضباطًا وتوازنًا، غير أن نجاح هذه المنظومة لا يقاس فقط بعدد الزيارات التفتيشية أو المخالفات المسجلة، وإنما بقدرتها على تصحيح أوضاع المنشآت، وتعزيز امتثالها، وحماية استدامة النشاط الاقتصادي، وتهيئة بيئة أكثر قدرة على استيعاب وتشغيل الكفاءات الوطنية.
