د. محمد بن عوض المشيخي **
القليل من المسؤولين هم الذين يُدركون أنَّ وظائفهم العُليا التي يفاخرون بها أمام الملأ، وتقلدهم المناصب القيادية هو في الأساس لخدمة المواطن بالدرجة الأولى، وليس تباهيًا أو تشريفًا لشخوصهم مهما كبُر المقام وزادت مكانته في المجتمع، وإن كان يفترض أن المسؤول يستمد تلك المكانة أو السمعة الحسنة مقابل ما يقدمه من أعمال جليلة للوطن، وتتمثل في الإخلاص والتفاني في العمل وقبل ذلك كله تحقيق العدالة بين الناس بعيدًا عن الواسطة؛ ذلك المرض السرطاني الذي يُعاني منه المجتمع منذ عقود.
وقد كان قدري أن أعمل في رصد نبض المواطن العُماني وتحليل العلاقات المتبادلة بين المجتمع والحكومة منذ سنوات عديدة؛ وذلك من خلال التدريس في جامعة السلطان قابوس لمقررات الرأي العام والاتصال الجماهيري، لطلبة الإعلام الذين يعملون حاليًا في مختلف المنابر والمؤسسات الوطنية في القطاعين الحكومي والخاص؛ إذ تتعلق تلك المضامين بوظائف الإعلام وأهميته في حرية التعبير، وسقف الحرية التي يسمح بها حُرَّاس البوابات في الإعلام المحلي لتدفق المعلومات إلى الجمهور، وكذلك توصيف رسالة الصحافة بشكل خاص والتي يُطلق عليها مجازًا "السُلطة الرابعة" التي تراقب السلطات الثلاثة: السلطة التشريعية والسلطة القضائية والحكومة؛ لكونها- أي الصحافة- ضمير الأمة ومرآة المجتمع وممثل المظلومين، وكذلك هي المراقب لأحوال الناس ومعاناتهم نتيجة التجاوزات التي قد تحدث من أي مسؤول تجاه المواطن بقصد أو دون قصد؛ وفي كثير من الأحيان ربما تكون الأسباب غير منطقية؛ بل قد يكون السبب هو غطرسة بعض المسؤولين وغرورهم في نظرتهم الضيقة لحقوق المجتمع. وكذلك الروتين القاتل والتسلُّط على المواطن الضعيف في مجالات كثيرة؛ مثل جودة الخدمات والحصول عليها دون عوائق، لا سيما الطرق والخدمات الصحية والكهرباء والمياه والإنترنت المنزلي وغير ذلك.
والحديث عن الخدمات يقودنا إلى صعوبة وصول تلك الخدمات وانسيابيتها في سهول وأرياف ظفار التي تعاني من ضعف التخطيط بسبب السياسات المتبعة في هذا الملف الشائك، خاصة في السنوات الأخيرة؛ إذ إن هناك من المسؤولين فضلوا أن يتواروا خلف الأبواب المغلقة وعدم مواجهة المراجعين؛ مما أعطى رسالة خاطئة للبعض بوضع اليد على مساحات واسعة من المناطق الرعوية التي يرتادها الزوار في موسم خريف ظفار. كما أن هناك من المواطنين القاطنين في الأرياف الذين فضلوا الانتظار، ولم يجنحوا للمخالفة على الرغم من معاناتهم وحاجتهم لسكن ريفي يحمي أسرهم من أحوال الطقس القاسية ويحفظ أفرادها تحت سقف واحد. وبالطبع هناك دائمًا مبررات من المسؤولين الذين يستشهدون بالأنظمة واللوائح والتي نجدها في كثير من المرات غير مرنة وقد لا تلامس احتياجات المواطن وحقوقه، فنحن هنا نرى من يُنمِّي الأزمات بدلًا من أن يقدم الحلول الواقعية لها.
ولهذا نجد أنفسنا مجددًا منخرطين في مهنة المتاعب وتحدياتها المتعددة عبر هذا المقال الأسبوعي في صحيفة "الرؤية"؛ لنُسطِّر هموم المجتمع، عسى أن تصل يومًا إلى صانع القرار لتصويب ما يمكن تصويبه لتحقيق رضا المواطن الذي يحظى دائمًا برعاية القيادة الحكيمة لجلالة السلطان المُعظم- حفظه الله- في هذا البلد العزيز، الذي يرى أنَّ المواطن العُماني يجب أن تكون له الأولوية.
ومن هنا تكمن أمانة الكلمة التي نجتهد في التعبير عنها بالكتابة وإبراز التحديات التي تصلنا من عامة الناس؛ فالواقع يفرض علينا أن نبذل جهودًا إضافية عبر الاستقصاء للتأكد من الحقيقة؛ لكي لا نقع في المحظور، والمقصود هنا أن علينا أمانة الكلمة لنقل الواقع دون تلوين أو مجاملة لمصلحة طرف على حساب آخر.
وخلال الأسابيع الماضية شرَّفني بعض أصحاب تلك القضايا باللقاء وجهًا لوجه بهدف إيجاد مخرج وحلول واقعية لمعانتهم التي أُجزم أنها جديرة بالعرض والمناقشة؛ فقد كانت القضية الأولى تحمل معاناة سكان تجمع (كور) في سهل حمران؛ حيث توجد أكثر من 90 حيازة ومخططًا سكنيًا صُرِفت للسكان القاطنين في هذه المنطقة ولم يحظوا إلى هذه الساعة بخدمات الكهرباء التي أصبحت من الضروريات في هذه الفترة التي تعيشها بلدنا في أزهى مراحل نهضتها المتجددة، على الرغم بأنه قد تم صرفها للمواطنين منذ أكثر من 10 سنوات. ورسالتنا للجهات المعنية بالتكرُّم بالتوجيه نحو توصيل التيار الكهربائي للأسر القاطنة في المربع السكني المذكور.
وأمَّا القضية الثانية، فتتعلق بصندوق الحماية الاجتماعية؛ إذ قابلني صاحب العلاقة أكثر من مرة وناشد وأصرَّ على أهمية نشر موضوعه؛ حيث يؤكد أن هذه المشكلة تتعلق بأعداد كثيرة من الناس وليس بشخصه فقط. وتتمثل هذه الشكوى في المستحقات المالية ما بعد الخدمة التي يقول إنه عمل 27 سنة في القطاع الخاص حتى 2026 وتم حرمانه من المبالغ التي ساهم فيها في ميزانية الصندوق منذ يناير 2024 حسب إفادته؛ إذ يبدو أنه تم تسكينه في نظام التقاعد القديم الخاص بالتأمينات الاجتماعية؛ كما عبَّر عن امتعاضه من الراتب التقاعدي الذي لم يتجاوز 46% من إجمالي آخر راتب استلمه.
وفي الختام.. نُسطِّر في هذه الخاتمة، الحلول التي نعتقد أنها تناسب المجتمع، وتتمثل رسالتي لصندوق الحماية الاجتماعية أولًا: بالشروع في دراسة الدوافع الحقيقة التي تجعل العدد الأكبر من المستفيدين من هذا الصندوق يعبرون عن عدم رضاهم عن نظام التقاعد، كما ندعو في نفس الوقت إلى عقد مؤتمر عام يشارك فيه مجلس عُمان بغرفتيه؛ مع دعوة بعض المختصين من المجتمع العُماني؛ للوصول إلى خلاصة وأرضية مشتركة ترضي الجميع. وبالفعل قد نحتاج لصياغة قانون جديد يُحقِّق العدالة والرضا للمتقاعدين الذين يتذمرون بشكل متكرر من القوانين التي تنظم مستحقات الموظف المتقاعد بعد مغادرته العمل.
** أكاديمي وباحث مختص في الرأي العام والاتصال الجماهيري
