د. جمالات عبدالرحيم
أمريكا حوّلت الجمعية العامة من قاعة للعدالة إلى عكس ما يريد كل من ينادي بالحرية والديمقراطية.
بنت أمريكا مقر الأمم المتحدة في بلدها من أجل أن يكون فخًا لاصطياد الدول التي تريد أمريكا وإسرائيل احتلالها.
واليوم، أصبح المبنى نفسه فخًا أمريكيًا مخططًا.
ماذا تفعل أمريكا بالدولة التي لا تحضر؟
تعاقبها.
رئيس فلسطين محمود عباس، المعترف به في الأمم المتحدة منذ عام 2012، أراد الحضور لحل مشكلة شعبه، لكن أمريكا سحبت تأشيرته في 29 أغسطس 2025 ومنعته من دخول نيويورك.
صاحب القضية ممنوع من دخول قاعة العدالة.
ومن لا يحضر، تقول عنه أمريكا إنه معزول، وإنه إرهابي، وإنه لا يريد السلام.
هذا هو السيناريو المخطط: تمنع صاحب الحق، ثم تتهم صاحب الحق بأنه غائب.
وماذا تفعل بالدولة التي تحضر لتحل مشاكلها؟
تنصب لها الفخ، وهنا المهزلة الكبرى.
الوفد الإيراني حضر؛ الرئيس مسعود بزشكيان ووزير الخارجية عباس عراقجي وصلا إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة.
أمريكا قالت لهم: أهلًا بكم في قاعة العدالة.
وبعدما دخلوا، فُرضت عليهم أربعة أنواع من الحصار خلال 24 ساعة، كلها مخططة.
الحصار الأول: حصار الشراء
أي سلعة فاخرة تتجاوز قيمتها 1000 دولار ممنوعة إلا بإذن مسبق من وزارة الخارجية، وتشمل الساعات والحقائب والعطور والمجوهرات.
الحصار الثاني: حصار السوبر ماركت
ممنوع دخول كوستكو وسامز كلوب إلا بموافقة فردية، وأي عملية شراء ممنوعة.
الحصار الثالث: حصار الحركة
ممنوع التحرك لمسافة تتجاوز 40 كيلومترًا، ليصبح الوفد كالسجين في مانهاتن.
الحصار الرابع، وهو الأخطر: حصار العودة
في 23 سبتمبر، فرضت أمريكا عقوبة جديدة أطلقت عليها اسم «عملية النبذ الاقتصادي».
وبموجب هذه الإجراءات، فإن أي مطار في العالم يزود طائرة إيرانية بالوقود أو الخدمات الأرضية أو يبيع لها تذكرة، قد يتعرض للعقوبات الأمريكية.
والنتيجة، وفق التصريحات الأمريكية والتقارير المنشورة، أن 27 شركة طيران إيرانية دخلت دائرة العقوبات، وأن 80 إلى 90% من الرحلات الخارجية من إيران توقفت.
وحتى جورجيا منعت دخول الطيران الإيراني إلى أجوائها خوفًا من العقوبات الأمريكية.
حتى طائرة الرئيس الإيراني، وهي في طريقها إلى نيويورك، اضطرت إلى الهبوط في الجزائر للتزود بالوقود.
وبعد كل ذلك، خرج وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت على قناة «فوكس نيوز» وقال إنه لا يعرف كيف سيتمكن ممثلو إيران من العودة إلى بلادهم.
فماذا يفعل ترامب؟
هل يريد اعتقال الوفد الإيراني؟
لا.
هو أذكى وأخطر؛ فالاعتقال سيكون جريمة واضحة، بحسب هذا الطرح، وقد يصطدم باتفاقية مقر الأمم المتحدة لعام 1947.
فالمادة 11 تنص على عدم فرض عوائق أمام انتقال ممثلي الدول الأعضاء من وإلى مقر المنظمة.
وكلمة «من وإلى» تعني الذهاب والعودة؛ وبالتالي فإن منع العودة سيكون، وفق هذا التفسير، انتهاكًا صريحًا يهز ما تبقى من هيبة أمريكا كدولة مضيفة.
فهل ترامب يقبض على الوفد الإيراني؟ أم أن الأمر مختلف؟
هل هو حصار نفسي واقتصادي وتشهير، وهو أخطر من القبض؟
لا يُسجن الجسد، بل تُسجن الصورة.
يجيء الرئيس ليتحدث خمس دقائق من دون تنفيذ، ثم يقف في مطار كينيدي ولا يجد طائرة تعيده إلى بلاده.
وهنا تهتز صورة الأمم المتحدة أمام العالم كله.
بهذا السيناريو المخطط، تقتل أمريكا ثقة الناس في الحضور.
الدولة تفكر: إذا لم أحضر، ستمنعني أمريكا وتقول إنني معزول، وإذا حضرت، ستمنعني من العودة وتشهر بي.
فلماذا أحضر؟
أمريكا، في هذا الطرح، هي الظهير المجرم، وهي التي تدافع عن المجرم، وهي التي تخطط للسيناريو، وهي التي تحوّل قاعة العدالة إلى فخ.
تقول للعالم: تعالوا نحكم بالحرية والديمقراطية في نيويورك، وفي الوقت نفسه تقول: من يأتي سأمنعه من كوستكو، ومن الوقود، ومن العودة.
فالناس فقدت ثقتها، والدول فقدت ثقتها، والقاعة أصبحت عكس العدالة.
أمريكا حوّلت الجمعية العامة من مكان لحل مشاكل الدول إلى فخ يصطاد الدول التي جاءت لتحل مشاكلها.
أم أن هذا فخ من نوع جديد، من أجل اعتقالهم، كما اعتُقل الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو؟
أم يريد ترامب أن يظهر للعالم أنه القاضي والجلاد، وأن معه كل القوانين التي شرعتها له الأمم المتحدة، سواء بالقتال أو بغير القتال؟
فهل هذه بطولة من نوع جديد؟ وهل هذا أخطر رجل مسك أمريكا على مستوى العالم؟
كيف تستغل حضورهم؟
كيف تستغل حضورهم لتفرض حصارًا جديدًا، وتهز صورتها، وتقول للعالم: العدالة ماتت في نيويورك؟
وما يحدث، وفق هذا الطرح، هل يعتبر إعلانًا أمريكيًا للحرب على إيران؟
إذا كان الأمر كذلك، فقد يكون لرد الفعل تداعيات سلبية على الدول التي تحالفت مع أمريكا وإسرائيل في اتفاقيات أبراهام والتطبيع.
فهل أصبحت أمريكا دولة لمن يطالب بالحرية والعدالة والأمن والاستقرار، أم أن هؤلاء يتصرفون بقوانين الغابة لتحطيم الدول التي تعتمد على نفسها في كل شيء؟
فلماذا لم تفعل أمريكا هذا الفخ مع نتنياهو، المطلوب للعدالة؟
ولماذا تخشى أن تفعل هذا الفخ مع رؤساء آخرين حضروا المؤتمر؟
فهل هذا عدل من ترامب، أم أنه جنون العظمة؟
وهل يصح أن تعطي الأمم المتحدة مفتاح العدالة لرجل مجنون؟
ونحن، كباحثين، توقعنا أن أكبر خطأ هو حضور الوفد الإيراني إلى مؤتمر الجمعية العامة للأمم المتحدة.
فأين شهادة المجنون من أجل أن يكتب الطبيب تقريره؟
انتهت المسرحية.
