عباس الزدجالي
يبدو أن دونالد ترامب يريد من الصحافة أن تكون مرآة لا تعكس إلا الصورة التي يحبها: رئيسًا عبقريًا، وقرارات لا تخطئ، وإنجازات تستحق التصفيق. أما إذا نقلت واقعًا مختلفًا، أو طرحت سؤالًا يفسد المشهد، فالتهمة جاهزة: Fake News! (أخبار مزيفة)، وكأن الحقيقة تحتاج إلى توقيعه قبل السماح بنشرها!
هذه النرجسية السياسية، المقترنة بالعنجهية وضيق الصدر بالمحاسبة، تتجلى في تعامله مع النقد بوصفه إهانة شخصية، ومع السؤال المحرج باعتباره عدوانًا. وعندما يستبدل الإجابة بالهجوم على الصحفي، تتحول المنصة الرئاسية إلى وسيلة لترهيب من يطلب تفسيرًا لقرارات تمس حياة الملايين.
ولذلك شواهد تتجاوز الانطباعات. ففي نوفمبر 2025، واجه سؤالًا من مراسلة بلومبرغ كاثرين لوسي بشأن ملفات إبستين بإهانة شخصية، مطالبًا إياها بالصمت مستخدمًا وصف «خنزيرة». لم تجب الإهانة عن السؤال، لكنها كشفت كيف يمكن أن يواجه صاحب السلطة مساءلة مشروعة بالإذلال العلني.
ثم انتقلت المواجهة من التجريح إلى الإقصاء. أعلن ترامب منع CNN وMS NOW، المعروفة سابقًا باسم MSNBC، ومؤسسة بوليتيكو من دخول البيت الأبيض، ونُفّذ القرار بمنع مراسليها ومصادرة اعتماداتهم. فردّت المؤسسات الثلاث بدعوى قضائية تطلب وقف المنع، معتبرة أنه عقاب على تغطيتها وانتهاك لحقوقها الدستورية.
هنا تصبح القضية أكبر من خصومة بين رئيس وصحفيين. فالبيت الأبيض مؤسسة عامة، ومن حق المواطنين أن تخضع القرارات المتخذة داخله للتدقيق. وإذا أصبح رضا الرئيس شرطًا لدخول الصحفي، تحولت البطاقة الصحفية إلى شهادة حسن سلوك سياسي، وصار التصفيق أقصر الطرق إلى الصف الأول!
والدفاع عن حرية الصحافة لا يمنح المؤسسات الإعلامية حصانة من النقد أو المحاسبة. فهي تخطئ وقد تنحاز، ومن حق الرئيس تفنيد تقاريرها والمطالبة بتصحيحها واللجوء إلى القضاء عند توافر أساس قانوني. لكن استخدام سلطة الدولة لمعاقبتها بسبب مضمون تغطيتها يصطدم بالحماية الدستورية لحرية التعبير والصحافة. والأسئلة الصعبة من صميم عمل الصحفي، وليست مخالفة تستوجب سحب اعتماده.
والأخطر أن ترامب صعّد تبريره للمنع إلى اتهام المؤسسات المستهدفة بتهديد الأمن القومي، دون تقديم أدلة على ذلك، وفق رويترز. فالانتقال من الاعتراض على خبر إلى تصوير ناشره خطرًا على الدولة يفتح بابًا مقلقًا: أن تختلط حماية الوطن بحماية صورة الرئيس.
في المقابل، أظهرت المؤسسات الإعلامية قدرة على التضامن رغم تنافسها. فقد علّقت ABC وCBS وNBC وفوكس نيوز التصوير التلفزيوني المشترك لفعاليات الرئيس بعد منع CNN من أداء دورها. وظهرت نتيجة محرجة خلال افتتاح مهبط المروحيات الجديد بالبيت الأبيض، حين تعذّر سماع كلمات ترامب في البث الرسمي البديل. أراد إبعاد من يسألونه، فإذا بصوته هو الذي لا يصل!
ثم جاءت المفارقة الأبلغ بإطلاق البيت الأبيض «ترامب تي في»، بثًا رقميًا متواصلًا لخطاباته ومقاطع مختارة من أنشطة إدارته. لا غرابة في أن تنشر حكومة أخبارها؛ لكن إطلاق هذه المنصة بالتزامن مع إقصاء صحفيين مستقلين يثير السؤال: هل يريد الرئيس إبلاغ الجمهور، أم احتكار الرواية التي تصل إليه؟ فالرئيس الذي يختار الخبر وزاوية تصويره والأسئلة المسموح بها، لا يترك للصحافة كثيرًا من وظيفتها.
قضائيًا، تملك المؤسسات الثلاث حججًا جدية للطعن، لكن الحكم لم يُحسم في أحدث التقارير المتاحة حتى 22 سبتمبر. وقد حُددت جلسة للنظر في طلب وقف المنع يوم 23 سبتمبر، أمام القاضي تيموثي كيلي، الذي عيّنه ترامب وسبق أن أمر بإعادة اعتماد مراسل CNN جيم أكوستا عام 2018. والسابقة مشجعة للمؤسسات، لكنها لا تضمن نتيجة القضية الجديدة أو ما قد يليها من استئناف.
أما سياسيًا، فهل تكون هذه المواجهة القشة الأخيرة؟ قد تضيف إلى كلفة سياساته، لكن الانتخابات لا يحسمها ملف واحد. والاختبار المقبل هو انتخابات الكونغرس النصفية في نوفمبر 2026؛ حيث قد يعاقب الناخبون حزبه إذا رأوا سلطة تنشغل بملاحقة منتقديها أكثر من معالجة مشكلاتهم.
وخسارة الأغلبية قد توسّع الرقابة والتحقيقات، أما العزل فليس نتيجة تلقائية؛ إذ يتطلب اتهامًا تقره أغلبية مجلس النواب، وإدانة بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين.
ستنتصر السلطة الرابعة حين تحمي حقها في السؤال وحق الجمهور في المعرفة. وقد يكتشف ترامب أن طرد الصحفي من البيت الأبيض أسهل من طرد السؤال من عقول الأمريكيين، وأن عبارة Fake News (أخبار مزيفة) لا تصلح إلى الأبد جوابًا أمام القضاء وصناديق الاقتراع!
