لماذا يتفوّق بعض الناس في الدراسة ويفشلون في العمل؟

 

 

 

 

زكريا الحسني

 

 

من أكثر المفارقات التي تستحق التأمل في حياتنا المعاصرة أن نجد شخصًا متفوقًا في دراسته حصل على درجات عالية وشهادة متميزة وربما كان من الأوائل في دفعته ثم ما إن يدخل سوق العمل حتى يبدأ بالتعثر وقد يصل الأمر إلى الفشل في أداء وظيفته أو إدارة مسؤولياته وفي المقابل نجد شخصًا لم يكن من المتفوقين أكاديميًا وربما كانت درجاته عادية لكنه ينجح في العمل ويتطور بسرعة ويصبح قائدًا أو مديرًا أو صاحب مشروع ناجح.

فأين تكمن المشكلة؟ وهل الشهادة لا قيمة لها؟ أم أن هناك فرقًا جوهريًا بين النجاح في الدراسة والنجاح في الحياة العملية؟

الحقيقة أن الشهادة مهمة لكنها ليست مقياسًا كاملًا لقدرات الإنسان؛ فهي تخبرنا غالبًا بما تعلمه الشخص لكنها لا تخبرنا بالضرورة بما يستطيع أن يفعله بما تعلمه.

الجامعة قد تسأل الطالب: ماذا تعرف؟ وهل تستطيع الإجابة عن السؤال؟

أما الحياة العملية فتسأله سؤالًا أكثر صعوبة: ماذا تستطيع أن تفعل بما تعرفه؟

وهنا يظهر الفرق بين المعرفة والقدرة وبين التحصيل والكفاءة وبين الذكاء النظري والذكاء العملي.

في كثير من مجتمعاتنا العربية ما زلنا نعطي الشهادة مساحة أكبر مما تستحق في عملية التوظيف والاختيار قد يكون أول سؤال عند اختيار الموظف: ما مؤهلك؟ وما معدلك؟ ومن أي جامعة تخرجت؟ ثم يأتي بعد ذلك السؤال عن الخبرة والمهارات وقد لا يأتي أصلًا السؤال الأهم: من أنت؟ وكيف تفكر؟ وكيف تتعامل مع الناس؟ وكيف تتصرف عندما تواجه مشكلة حقيقية؟

وهذه هي إحدى جذور المشكلة؛ فالموظف الناجح لا يحتاج إلى المعرفة وحدها وإنما يحتاج إلى مجموعة متكاملة من المهارات والصفات: الذكاء العاطفي، والقدرة على التواصل، وحسن الاستماع، والتفكير النقدي، واتخاذ القرار، وتحمل المسؤولية، والانضباط، والصبر، والمرونة، والقدرة على العمل ضمن فريق، والتعامل مع الأزمات والضغوط.

وقد يكون الإنسان عبقريًا في الإجابة عن أسئلة الامتحان، لكنه عاجز عن التعامل مع زميل مختلف عنه أو موظف غاضب أو عميل صعب أو أزمة مفاجئة وقد يكون قادرًا على حفظ عشرات النظريات لكنه لا يستطيع تحويل واحدة منها إلى نتيجة عملية.

وهنا تكمن المفارقة: العمل لا يختبر ما حفظته فقط؛ بل يختبر شخصيتك عندما لا تجد الإجابة في الكتاب. ولهذا قال أرسطو في معنى مشهور منسوب إليه: نحن ما نفعله مرارًا؛ فالتميز إذن ليس فعلًا بل عادة. والمعنى العميق هنا أن الكفاءة لا تتكون من المعرفة وحدها وإنما من الممارسة المتكررة التي تحول المعرفة إلى سلوك وقدرة.

كما أن التعليم الحقيقي ينبغي ألا يكتفي بتلقين المعلومات؛ بل يجب أن يصنع إنسانًا قادرًا على التفكير والتجربة وحل المشكلات وهذا قريب من فلسفة المفكر التربوي جون ديوي الذي أكد أن التعليم مرتبط بالحياة والخبرة وليس مجرد إعداد نظري لها.

ومن هنا فإن الحل ليس في إلغاء قيمة الشهادة؛ بل في إعادة وضعها في مكانها الصحيح الشهادة ينبغي أن تكون مفتاحًا للفرصة وليست حكمًا نهائيًا على كفاءة الإنسان.

وعند التوظيف ينبغي أن ننتقل من سؤال: ماذا يحمل هذا الشخص من شهادات؟ إلى مجموعة أوسع من الأسئلة: ماذا يستطيع أن ينجز؟ كيف يفكر؟ كيف يتعامل مع الآخرين؟ كيف يحل المشكلات؟ كيف يتصرف في الأزمات؟ ماذا تعلم من تجاربه؟ وهل لديه قابلية للتطور والتعلم؟

ومن الحلول المهمة أيضًا إجراء اختبارات عملية ومحاكاة للوظيفة قبل التعيين إلى جانب المقابلات الشخصية ودراسة الخبرات السابقة وتقييم مهارات التواصل والعمل الجماعي كما ينبغي أن تكون فترة التجربة وسيلة حقيقية لاكتشاف الكفاءة لا مجرد إجراء شكلي.

والأمر لا يتعلق بالمؤسسات وحدها فالجامعات أيضًا مطالبة بإعادة النظر في أساليب التعليم والتقييم فبدل أن يكون الطالب منشغلًا بالحصول على أعلى درجة فقط ينبغي أن يتعلم كيف يفكر وكيف يبحث وكيف يعمل مع الآخرين وكيف يحول المعرفة إلى مشروع أو حل أو ابتكار.

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مؤسسة هو أن تختار الشخص الخطأ للوظيفة الصحيحة ثم تتساءل بعد ذلك لماذا فشل، والأخطر من ذلك أن نكرر الخطأ نفسه: نختار بناءً على الورق ثم نحاسب بناءً على النتائج.

إن الشهادة تقول: هذا الإنسان تعلم، لكنها لا تقول بالضرورة: هذا الإنسان يستطيع أن ينجح. والخبرة تقول: هذا الإنسان مارس، لكنها لا تكفي وحدها لتقول: هذا الإنسان سيُبدع.

أما النجاح الحقيقي؛ فينشأ عندما تلتقي المعرفة بالمهارة والمهارة بالشخصية والشخصية بالقيم والخبرة بالتعلم المستمر. لذلك فإن المؤسسات التي تريد النجاح لا ينبغي أن تبحث فقط عن أصحاب أعلى الدرجات وإنما عن أصحاب أعلى قابلية لصناعة القيمة.

وفي النهاية ربما يكون السؤال الأكثر عدلًا في اختيار الإنسان للعمل ليس: كم حصلت على الشهادة؟ وإنما: ماذا تستطيع أن تقدم بهذه الشهادة؟

الحياة لا تكافئ الإنسان على ما يعرفه فقط وإنما على ما يستطيع أن يحوله من معرفة إلى عمل ومن عمل إلى أثر ومن أثر إلى قيمة حقيقية للناس والمجتمع.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z