حمد الناصري
ثانيًا: الدولة اليعربية (قوتها وضعفها)
تبرز الدولة اليعربية في التاريخ العُماني كقوة عظمى مترامية الأطراف بلا منازع في زمنها، حيث استطاعت أن تخلق لها مكانة مهيبة بين الأمم الكبرى وحسبت لها القوى الدولية آنذاك كل حساب. بسطت هذه الدولة الفتية سيطرتها على أجزاء واسعة من الخليج العربي (بما تشمله جغرافيًا في العصر الحديث دولتا الإمارات وقطر)، وتوسعت صوب شرق إفريقيا لمطاردة النفوذ البرتغالي ودحره، واتخذت من ولاية الرستاق عاصمة مركزية لإدارة شؤون الحكم.
نجح اليعاربة في إنهاء بقايا الانقسامات والتشرذم النبهاني، وجمعوا كلمة عُمان شرقًا وغربًا، وجنوبًا وشمالًا، بحرًا ويابسة، تحت راية سلطة مركزية واحدة. كما فرض الأسطول العُماني سيطرته على أغلب المسالك البحرية المؤدية إلى ذلك البحر الشرقي العظيم المفتوح الذي يقع قبالة واجهة عُمان الشرقية؛ وهو في الحقيقة التاريخية والجغرافية "المحيط العُماني" وأحق بأن يُنسب لاسمها، نظرًا لأن العُمانيين هم من جابوا بحاره شرقًا وغربًا وبسطوا سيادتهم عليه، وإن كانت الجغرافيا السياسية الحديثة قد غيبت هذا الاسم لصالح تسمية "المحيط الهندي". ويؤكد التحقيق التاريخي أن الهند لم تكن لها حضارة بحرية أو أساطيل سيادية مطلقًا؛ بل كانت حضارة برية زراعية، وكان بحرها يُعرف في مجلدات الملاحة القديمة بمجرد الإشارة إلى سواحلها الجغرافية كـ "الساحل الشرقي" و"الساحل الغربي" للهند دون وجود صفة سيادية بحرية لها.
وفي مقابل هذا الخمول البحري للهند، كان أهل عُمان قاطبةً وبحارتهم في دفاترهم ومجلداتهم الملاحية القديمة (كالروزنامات وأراجيز ابن ماجد والربابنة المتأخرين) يطلقون اسم "بحر الظلمات" أو "بحر المجهول" على تلك الأجزاء البعيدة والمفتوحة من المحيط الشرقي؛ نظرًا لطبيعة هذا البحر الهادر، وانفتاحه اللانهائي، وظلمة مياهه العميقة، وشدة عواصفه ونوّاته المظلمة التي تجعل راكبه يواجه المجهول والظلمات الشديدة في الأسفار البعيدة، والتي لم يجسر على خوض غمارها وإحكام فنونها إلا الأسياد والربابنة العُمانيون.
واستمر العُمانيون في خوض غمار هذه البحار الشاسعة مدفوعين بشغفٍ بحريٍّ عظيمٍ وبسالةٍ عسكريةٍ، وضعوا بها حجر الأساس لما عُرف لاحقًا بـ "الإمبراطورية البحرية العُمانية"، حتى غدت عُمان قوةً رادعةً ومهابةً الجانب في البر والبحر معًا. ولقد عانت عُمان من صراعاتٍ عنيفةٍ، انصبت كلها على السلطة بعد وفاة الإمام سلطان بن سيف اليعربي الثاني عام 1718 ميلادي، حيث تنازع القومُ واختلفوا بينهم في أمرهم فمنهم من يرى تولية ابنه سيف بن سلطان الثاني اتباعًا لنهج التوريث، ورأى البعضُ الآخرُ المختلفُ مع الرأي الأول أن النظام الوراثي غير الشرعي لا يتفق مع النظام الانتخابي القائم على الشورى (نظام الإمامة في عُمان)؛ ففي هذا النظام يُعتبر الصبيُّ ذو الاثنتي عشرة سنة قاصرًا، ورفضه العلماء والفقهاء مستنكرين: كيف يُحاسب ويُعاقب القاصرُ من يكبره سنًا؟ إذ يوثق الفِقه الإباضي العُماني بوضوح أنه لا يحق تولي الإمامة لمن لا يمكن محاسبته أو عقابه في سلوكه وتصرفه، وهذه الصفة المكينة لا تزال قائمةً وموثقةً تاريخيًا.
توحيد آرائهم في اجتماع قلعة نزوى سنة 1719 ميلادي، فنجمت عن ذلك التحزبيّةُ الفكريّةُ والتكتلاتُ القبليةُ التي انقسمت على إثرها عُمان إلى حلفين شهيرين هما الغافري والهنائي، مما هدد وحدة البلاد وجعلها مطمعًا للتدخلات الخارجية ولم يأبه يعربُ بن بلعرب ولا الذين ساروا معه بأنهم أخطؤوا في حق التاريخ العُماني؛ بل أعلن نفسه في بادئ الأمر وكيلًا ووصيًا للإمام الصغير.. لكن الوكيل الجديد يعرب بن بلعرب أغرته السلطة، ونصب نفسه إمامًا بالقوة والغلبة متجاوزًا التزكية الشرعية والبيعة المعتمدة التي عقدها أهل العلم والحل والعقد للإمام مهنا بن سلطان، والتي كانت برئاسة وتوجيه من قاضي القضاة الشيخ عدي بن سليمان الذهلي.
ولم يتوقف أمره عند عزل الإمام الشرعي واغتياله غدرًا داخل سجنه بالرستاق بعد أن تنحى حقنًا للدماء، بل امتدت يد البطش لتطال الشيخ الجليل عدي بن سليمان الذهلي نفسه، حيث تمت تصفيته والتنكيلُ بهِ بسبب موقفه الفقهي الصلب الرافض لشرعنة هذا الانقلاب.
ولعَمري، فإن هذه الحكاية المروية عن التلاعب بتشكيل الحروف لا يمكن القول والاعتداد بها، أو الاعتقاد بصحتها جزمًا وثقة وتمكينًا؛ لكون القاضي عدي بن سليمان الذهلي كان جهبذًا بليغًا في لغة الضاد، رفيعًا في مستوى التكلم بها، ومتمكنًا من التحدث والنطق السليم لها، ناهيك عن الكتابة والتعبير بواسع معرفة وعلم عالٍ بأحرفها وعروضها وتصريفاتها وتشكيلاتها نصبًا وجرًا ورفعًا. بالإضافة إلى ما كان يتمتع به من حصافة وسداد رأي، ورجاحة عقل ونباهة تقدير؛ والدليل القاطع على ذلك أنه كان يتبوأ منصب قاضي قضاة الرستاق، وهي مقر الحكم اليعربي وعاصمة الدولة.
ومن ثم، فإن الاعتماد على كون التباس التشكيل اللغوي هو السبب في توجيه دفة الحكم لا يعدو أن يكون محصلة لقراءة غير منصفة ولا عادلة ولا حقيقة علمية فيها لتاريخ أمة؛ فالعُمانيون قد رضعوا من علوم اللغة والفصاحة إلى أن وصلوا فيها مقامًا محمودًا لم يصل إليه غيرهم إلى يومنا هذا، كما أن عقد الإمامة في الفقه العُماني أسمى وأعلى من أن ينعقد بلبس لغوي عابر بين عوام الناس.
وإثر هذا الجدل القائم والصراع الفكري المحتد، انضوت القبائل العُمانية جميعها تحت مسمى التحالفات الجديدة (هناوية وغافرية)، ووجدت نفسها مجبرة على السير بين جبلين ثائرين بالتحزب ومشتعلين بالفوضى والتعصب القبلي، واضعة حجر الأساس لحرب أهلية طاحنة أكلت الأخضر واليابس وأنهت العصر الذهبي لدولة اليعاربة العظمى.
ولما اجتمع أهلُ العلم والحل والعقد، أجمعوا أمرهم واعتبروا أي دعوى لإمامة يعرب باطلةً؛ فالغدر والقتل كبائر لا تغتفر، فكيف يقود الناس من يخدعهم ويقتل النفس بغير حق شرعي. وبمقتل الإمام وعالِم البلاد، دخلت عُمان مرحلةً جديدةً ومظلمةً من الفوضى، ومنعطفًا خطيرًا من التشتت والتفرق والاضطراب؛ إذ انفتحت أبواب الجريمة والاستباحة من قلب مركز الحكم اليعربي بالرستاق، وأنهت العصر الذهبي لدولة اليعاربة العظمى.
ولجأ بلعرب بن ناصر اليعربي، خال الإمام الصغير سيف بن سلطان الثاني، إلى بني هناءةَ لمناصرته واستعادة حق ابن أخته في الحكم وتخليصه من وصاية يعرب بن بلعرب الغادرة. فثارت عصبية قبيلة بني هناءةَ بقيادة الشيخ خلف بن مبارك الهنائي ضد ما أسماه تحفظ الشيخ محمد بن ناصر الغافري، وحين علمت القبائل الغافرية بذلك، تحركت عصبية التكتل المقابل بقيادة الشيخ محمد بن ناصر الغافري تنديدًا بهذا الاستقواء، فانسدت الأبواب وأغلقت النوافذ وتنازعت القبائل إلى حد لا يطاق.
وهنا شعر أولو الرأي السديد والحكمة البالغة الحصيفة أن عُمان انقسمت إلى نصفين، وزخمت بتكتلات سائرة إلى واقع مظلم، وبينهما جسر يمر من خلاله الذين لا يريدون علوًا ولا مكانة ولا عاقبة طيبة لعُمان، فيدسون حقدهم وبغضهم بين هذين التكتلين لتبقى الفوضى على أشدها وثورتها وأجوائها المظلمة، وآخرين يتطفلون فيما لا يعنيهم، ويعلنون وقفتهم مع هذا على حساب آخر، وبهذه الأجواء المظلمة انتقلت عُمان من عصر التنوير إلى عصر مظلم قاتم.
لم يعد يُعرف ليله من نهاره إلا بطلوع الشمس وغروبها وظهور القمر وغيابه، وظلت عُمان تتخبط بين شتات التحزب ومفترق التكتل. وكتب الفرنسي (شيفاليه بوديه) المقيم في بندر عباس في حقبة تلك الحرب المشتعلة، وتحديدًا في عام 1723 ميلادي، أن ضحايا الحرب، أو ما أسماها بـ "حروب مسقط الأهلية"، في خلال سنتين فقط تجاوزت أربعين ألفًا من القتلى. وفي ظل هذه الأزمة الطاحنة التي قضت على كل القيم الإنسانية وأجهزت على نظام الإمامة المستقر في عُمان، بقي منصب الإمام فارغًا مهددًا بالزوال.
وهنا استلهم العُمانيون وعقلاؤهم فكرة الاتفاق والالتفاف حول وحدة تجمعهم؛ فالسلام والأمان غنيمة ومكسب لصالح الجبهة الداخلية، وحقنًا للدماء واحتواء للمواقف المختلفة في إمامة اليعاربة، أجمع أهل الحل والعقد على أن تكون الإمامة من خارج البيت اليعربي، فبايعوا الشيخ محمد بن ناصر الغافري إمامًا على عُمان في سنة 1724 ميلادي. إلا أن تحالف قبائل الهنائية، بقيادة زعيمهم الشيخ خلف بن مبارك، لم يرتضِ هذا الاتفاق، وشرعوا في مقاتلة الإمام الجديد، فاصطدم تحالف الهنائية مع تحالف قبائل بني غافر والقبائل المنضوية تحت لوائهم، فتواجهت القبيلتان وتحالفاتهما في معركة صحار الكبرى عام 1728 ميلادي، والتي انتهت بنهاية مأساوية تمثلت في مقتل القائدين معًا في نفس المعركة (قائد قبائل الهنائية وقائد قبائل الغافرية).
الخطيئة الكبرى
وبعد سقوطِ الإمامِ محمدِ بنِ ناصرٍ الغافري، تراجعت بعضُ القبائلِ التي تشكلت في تحالفِ الغافريةِ، وتمت إعادةُ تنصيبِ سيفِ بنِ سلطانَ الثاني، لكن هذا التنصيبَ شابه الاضطرابُ والرفضُ، حتى نصَّب بلعربُ بنِ حِمْيَرَ نفسَه إمامًا جديدًا في الداخلِ وحظي ببيعةِ العلماءِ.
وفي رغبةٍ عارمةٍ للانتقامِ واستعادةِ عرشِه المفقودِ، ارتكب سيفُ بنُ سلطانَ الثاني الخطيئةَ التاريخيةَ الكبرى واستعان بحاكمِ فارسَ آنذاك نادر شاه للإطاحةِ بالإمامِ المنتخبِ بلعربُ بنِ حِمْيَرَ، ولم يكن يدركُ أنَّ العجمَ (الفرسَ) يريدون عُمان بأي ثمنٍ، وأنَّ استنجادَه هذا قد جاءهم بالبشارةِ والفرصةِ التاريخيةِ على طبقٍ من ذهبٍ لاستباحةِ الأرضِ العُمانيةِ.
وفي هذه الفترة العصيبة، كثرت الصراعات وبلغت الاحتدامات مبلغًا مؤلمًا من الاقتتال الداخلي. ويذكر التاريخ أنه منذ إمامة بلعرب الأولى في نزوى عام 1732 ميلادي، كانت عُمان تعيش في حالة عارمة من عدم الاستقرار والشقاق والانشقاقات، وبلغت الانقسامات الجغرافية والسياسية ذروتها؛ فبينما كانت بلدان الداخلية والشرقية والظاهرة، مثل نزوى وسمائل وإزكي ونخل، مؤيدة لإمامة بلعرب بن حمير، انفصلت مسقط وأجزاء من الباطنة معلنة الولاء لمعسكر سيف بن سلطان الثاني وحلفائه من العجم، مما عمق جراح الوطن وثبّت أقدام الغزاة الأعاجم (الفرس) الذين أدخلهم سيف بن سلطان إلى عُمان، واستباحوا البلاد وعاثوا فيها فسادًا، حتى أصبحت عُمان على شفا جرف هار ينتظر المخلص الذي يلم الشتات ويهزم المحتل.
الخلاصة التاريخية
إثر تلك الخيبات وتنحِّي بلعرب بن حمير، أجمع العُمانيون على اختيار إمام جديد يقود حركة المقاومة الوطنية، فبايعوا الإمام سلطان بن مرشد اليعربي عام 1742 ميلادي. وعاشت عُمان في ظل إمامة سلطان بن مرشد، رغم قصرها، حالة من الهدوء والاستقرار، وكان حريصًا طوال فترة حكمه على نشر العدل بين الناس وتوحيد الكلمة. لكنه سرعان ما دخل في حروب طاحنة لإنقاذ البلاد من الغزاة الفرس الذين استعان بهم سيف بن سلطان الثاني. وفي غمرة هذا الاضطراب المحتدم، برزت شخصية أحمد بن سعيد البوسعيدي مناصرًا مخلصًا للإمام سلطان بن مرشد، فما كان من الإمام إلا أن عينه واليًا على صحار، الثغر العُماني الباسل.
سار الإمام سلطان بن مرشد بجيشه لفك الحصار عن صحار، واقتحم خطوط العدو لينضم إلى واليه أحمد بن سعيد، إلا أنه استشهد متأثرًا بجراحه في تلك المعارك الضارية ودفن في حصن صحار عام 1743 ميلادي. وتزامن ذلك مع وفاة سيف بن سلطان الثاني في حصن الحزم كمدًا، وبموت الإمامين معًا، وقعت البلاد في أزمة فراغ سياسي كبيرة واحتلال فارسي جثم على معظم السواحل.
المشهد الأخير من مأساة الغزو الفارسي
غدت صحار والوالي أحمد بن سعيد محاصرين بالكامل من قبل القوات الفارسية الشرسة، فصمد أحمد بن سعيد صمودًا ملحميًا لتسعة أشهر، ثم أدار المعركة بحنكة سياسية وعسكرية فذة؛ حيث عقد معهم صلحًا تكتيكيًا لفك الحصار، وما لبث أن نفذ خدعته العسكرية الشهيرة في بركاء، حيث استدرج حامية الفرس وقضى على شوكتهم وطهر أرض عُمان من دنسهم بالكامل.
وبهذا النصر المؤزر والتحرير العظيم، اعتبره العُمانيون البطل المخلص وجامع الشتات، فأجمعوا أمرهم عليه وبايعوه بالإجماع إمامًا على عُمان لتطوى بذلك صفحة دولة اليعاربة، ويفتتح الإمام أحمد بن سعيد عام 1744 ميلادي عهدًا جديدًا مستقرًا متخذًا من الرستاق عاصمة لدولته الناشئة.
