نحن الرياح ونحن السفن.. وكلّنا قادة!

 

 

 

عائض الأحمد

نحن القوّة الدافعة، المحرّكة، التي تُحدِث التغيير، ونحن أيضًا من يتلقّى هذا الدفع، من يُسيَّر ويخوض الرحلة. وكلّنا قادة نمتلك زمام التوجيه، ولسنا مجرّد متلقّين لقدرٍ أو ظرفٍ يقتادنا حيث يشاء.

فالإنسان ليس ضحية الظروف، بل شريكٌ في صنعها وإدارتها؛ نلعن الوقت، ونكيل له شتّى صنوف الهجاء، كأنه هو من فعل بنا الأفاعيل، ونغفل ـ في غفلةٍ قاسية ـ عن أنّ أيدينا كانت شريكًا في ما سُحق من أحلامنا.

وفي تداركٍ فات أوانه، لا نجلب لأنفسنا سوى الحسرة والندامة؛ نردد: ليت الزمان يعود يومًا، كأننا نسير بخطى ليست خُطانا، ونقسم أنّنا «استخَرنا» مرارًا قبل أن نمضي.

ولو عاد الزمان ـ كما نزعم ـ لعدنا نحن، ولملأنا الأيام بما يفيض ويزيد، ومع ذلك لن يكفينا زمانُنا ولا زمانُ مَن سبقونا… لنعود فنندب من جديد.

فنحن لا نعود لنندب لأن الأشياء تبدّلت، بل لأننا أدركنا ـ متأخرين كالعادة ـ أنّ الذي كان يحتاج إلى تغييرٍ حقيقي هو نحن، لا الزمن؛ فالزمن لا يشيخ، ولا يتبدّل وجهه؛ نحن الذين نبدّل ملامحنا، ونخسر من حدّة رؤيتنا كلما أثقلتنا التجارب.

وأوجع ما في الحكاية، أنّنا ندرك ذلك الإدراك العميق في اللحظة التي نعجز فيها عن إصلاح ما انكسر، وفي الوقت الذي لا يعود فيه الطريق قابلًا لأن يُعاد شقّه؛ فنقف عند مفترقٍ خاوٍ، نحدّق في محطاتٍ مررنا بها على عجل، ونقول لأنفسنا ما لم نقله يوم كنّا قادرين على أن نغيّر، وأن نختار، وأن نُمسك بزمام السفينة كما يجب.

ومع ذلك، ما يزال في الإنسان بقيةٌ ترفض الاستسلام؛ يُمكن لشرارةٍ صغيرة أن توقظ ما خمد، وأن تذكّره بأن كونه ريحًا وسفينةً وقائدًا ليس شعارًا يُقال، بل مسؤوليةٌ تُحمل.

وأن الطريق، مهما بدا متأخرًا، ما يزال قادرًا على أن يتّسع لخطوةٍ جديدة، خطوةٍ لا تشبه الندم، ولا تشبه الحنين، بل تشبه الإنسان حين ينهض مرةً أخرى.. وكأنّ العمر يبدأ الآن؛ فالعثرات تكبر معنا، غير أنّ الحصيف هو من يتجاوزها، والعاقل هو من يأخذ منها العِبرة والعِظة؛ فإن كان ما بقي لك من العمر قليلًا أو كثيرًا، فلا تُنفقه في العويل وشقّ الجيب، ولا في ترديد: كنا نفعل هذا ونحب ذاك، بل في خلاصٍ نفسيٍّ واجتماعيٍّ ينفض عنك رجاء البشر، لتعيش حياتك أنت… دون انتظارٍ مُنهِك، أو خوفٍ من قادمٍ قد لا يأتي.

لها: كانت تبحث دائمًا عمّن يمنحها دليلًا واحدًا على أن الحياة تُدار بالشجاعة لا بالانتظار.

وحين أدركت ذلك، صارت ريحًا وسفينةً ودليلًا...

شيء من ذاته: عواقبُ خيبتي أراها في صمتك، وفي انهمار جوارحي العطشى على مناهلَ أخفاها الصدأ.

نقد: وضعتُكَ أمام مسؤوليتك الكاملة، وأسقطتُ حُجّة الزمن والظروف، لم أمنحك عزاءً مجانيًا، بل تركتُك أمام مرآتك: هل تقود؟ أم تُقاد؟

تساؤلٌ سيظل معك ما حييت!

الأكثر قراءة

z