هل الجمهور الرياضي أصل اقتصادي؟

 

د. سليمان بن علي البلوشي **

عندما تُقيَّم الأندية الرياضية، تبدو خريطة الأصول واضحة للوهلة الأولى؛ فاللاعبون يمثلون رأس المال البشري، والمنشآت توفر البنية الأساسية، والبطولات تراكم الرصيد التاريخي، والعلامة التجارية تعكس مكانة النادي في السوق، أما الجمهور، فيأتي غالباً في نهاية القائمة، بوصفه المستفيد من هذه الأصول أو الداعم لها.

يبدو هذا الترتيب منطقيًا، لكنه قد يقلب العلاقة بين السبب والنتيجة... في الاقتصاد، لا تستمد الأشياء قيمتها من وجودها وحده، بل من قدرتها على توليد منفعة مستقبلية، وهذه القدرة لا تتحقق من دون وجود طلب عليها، فالمباراة لا تصبح منتجا اقتصاديا لمجرد أنها أُقيمت، وإنما لأن هناك من ينتظرها ويتابعها، والراعي لا يدفع مقابل مساحة على قميص الفريق، بل مقابل الوصول إلى الجمهور الذي سيرى شعاره، وحتى حقوق البث لا تُشترى من أجل تسعين دقيقة من اللعب في حد ذاتها، بل من أجل الاهتمام الجماهيري الذي يمنح تلك الدقائق قيمتها التجارية. من هنا يتغير السؤال، فبدلا من أن نسأل ما أهم ما يملكه النادي؟ يمكن أن نسأل ما الذي يمنح ما يملكه النادي قدرته على توليد القيمة؟

اختبار البديهيات

لو كانت مهارة اللاعب وحدها هي مصدر قيمته التجارية، لما اختلفت هذه القيمة باختلاف النادي الذي يلعب له. ومع ذلك، قد تتسع قيمة اللاعب التجارية والإعلامية بمجرد انتقاله إلى نادٍ ذي انتشار جماهيري أكبر، حتى قبل أن يحقق معه إنجازا جديدا، فمهارته لم تتغير في تلك اللحظة، لكن حجم الاهتمام المحيط به هو الذي تغير.

والبطولات، على أهميتها، لا تفسر الصورة كاملة، ففي موسم 2024/2025، ظل مانشستر يونايتد ضمن الأندية الثمانية الأعلى إيرادا في العالم، رغم حلوله في المركز الخامس عشر محليا، وقد أثرت نتائجه الرياضية في إيرادات البث، بينما استمرت إيراداته التجارية وإيرادات يوم المباراة في النمو، وهذا يعني أن النجاح داخل الملعب مهم، لكنه لا يفسر القيمة وحده؛ فهناك رصيد تراكم عبر عقود من التاريخ والانتشار والانتماء الجماهيري، ولم يختفِ بمجرد تراجع النتائج.

ما سبق، لا يقلل من أهمية اللاعب أو البطولة أو الملعب؛ فهذه كلها أصول حقيقية، لكنها لا تعمل في فراغ... فقيمتها الاقتصادية تتسع أو تنكمش بحسب قدرتها على تحريك الاهتمام والطلب. ويمكن اختصار المسألة في فكرة بسيطة هي القيمة لا تسكن الأشياء، بل تنشأ من العلاقة بينها وبين من يطلبها ويمنحها اهتمامه.

الجمهور أم العلاقة؟

قد تقودنا هذه الفكرة إلى القول إن الجمهور هو أهم أصول النادي، لكن هذه العبارة تحتاج إلى شيء من الدقة، فالجمهور ليس ملكا للنادي، ولا يمكن التعامل معه كبند محاسبي أو مورد مضمون، يستطيع المشجع أن يبتعد، أو يفقد ثقته، أو يوجّه اهتمامه إلى مكان آخر. ولهذا، فإن وصف الجمهور بأنه أصل اقتصادي لا يعني أنه أصل محاسبي، بل إن القيمة الحقيقية تكمن في العلاقة المستدامة التي يستطيع النادي بناءها معه. وتقوم هذه العلاقة على الولاء والثقة والانتماء واستمرار التفاعل، وهي التي تمنح العلامة التجارية معناها، وتجعل المباراة حدثا منتظرا، وتمنح الراعي سوقا يمكن الوصول إليها، وتساعد المستثمر على تقدير قدرة النادي على توليد الإيرادات مستقبلا، وكلما كانت العلاقة أعمق وأكثر استقرارا، أصبحت بقية أصول النادي أكثر قدرة على إنتاج القيمة.

غير أن النظر إلى الجمهور من زاوية اقتصادية لا ينبغي أن يختزله في تذكرة أو اشتراك أو عملية شراء، المشجع ليس مستهلكا عاديا يقف خارج التجربة الرياضية، بل شريك في صنعها، فحضوره يمنح الملعب روحه، وذاكرته تحفظ تاريخ النادي، وانتماؤه يصنع المعنى الذي تلتف حوله العلامة التجارية؛ وبذلك تبدأ القيمة رمزية وإنسانية، قبل أن يتحول جزء منها إلى قيمة اقتصادية.

وهنا تكمن مسؤولية النادي، فإذا تعامل مع جمهوره بوصفه مجرد مصدر للإيراد السريع، فقد يحقق دخلا مؤقتا، لكنه يستنزف الثقة التي تقوم عليها العلاقة كلها، أما إذا عامله بوصفه مجتمعا وشريكا، فإن العائد الاقتصادي يصبح نتيجة لعلاقة متبادلة، لا غاية منفصلة عنها.

السؤال العُماني

عندما نناقش تطوير الاقتصاد الرياضي في سلطنة عُمان، يتجه حديثنا غالبا إلى المنشآت، والتمويل، والاستثمار، واستقطاب اللاعبين، وهذه كلها عناصر ضرورية، لكن فعاليتها تظل مرتبطة بسؤال أسبق: إلى أي مدى تعرف الأندية جماهيرها وتفهم طبيعة علاقتها بها؟

لا يكفي أن نعرف عدد الحاضرين في المدرجات... المطلوب أن نفهم من يحضر، ومن يتابع عن بُعد، وما الذي يمنع بعض الجماهير من الحضور، وما الذي يعزز ولاءهم، وكيف يتفاعلون رقميا، وأي التجارب تعمّق صلتهم بأنديتهم. هذه المعرفة لا تخدم التسويق فقط، بل تساعد النادي على تصميم مبادراته، وتحسين تجربة المباريات، وتطوير برامج العضوية، وتقديم صورة أكثر وضوحا للرعاة والمستثمرين عن السوق التي يمثلها جمهوره.

وقد لا تكمن الفجوة الحقيقية في قلة الجماهير، بقدر ما تكمن في ضعف إدارة العلاقة معها ومحدودية ما نعرفه عنها، فالنادي الذي لا يستطيع وصف جمهوره، وقياس تفاعله، وفهم توقعاته، سيجد صعوبة في تحويل جماهيريته إلى قيمة اقتصادية مستدامة، مهما أنفق على اللاعبين أو المنشآت.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق الحديث عن حجم الأموال المطلوبة لتطوير أنديتنا ليس: كم نحتاج من المستثمرين؟ ولا، كم نحتاج من النجوم؟ بل؛ ما العلاقة التي نريد بناءها بين النادي وجمهوره؟ فالجمهور لا يُمتلك، لكن العلاقة معه تُبنى، وحين يبنيها النادي على الثقة والانتماء والمشاركة، فإنها تمنح بقية أصوله معناها وقدرتها على الاستمرار، ومن هذه العلاقة، على الأرجح، تبدأ القيمة.

** كاتب وباحث رياضي

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z