هجمات "الحوثيين" تستهدف عصب الاقتصاد السعودي

عواصم - وكالات

في خضم التصعيد العسكري غير المسبوق الذي تعيشه منطقة الشرق الأوسط، والمتمثل في الحرب الأمريكية-الإسرائيلية المفتوحة ضد إيران، تجد دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، نفسها في عين العاصفة، ليس فقط بسبب التهديدات الأمنية المباشرة، بل جراء المواقف الأمريكية التي تثير أكثر من علامة استفهام.
التطورات الأمنية الأخيرة والهجمات التي شنتها جماعة "أنصار الله" (الحوثيون) على الأراضي السعودية، وما تبعها من خذلان أمريكي لافت، تضع المنطقة أمام مشهد جيوسياسي جديد، تُعاد فيه صياغة التحالفات وتُستخدم فيه التهديدات الأمنية كأدوات للابتزاز السياسي والاقتصادي.
 
تصعيد خطير وضرب لعصب الاقتصاد العالمي
في تطور أمني خطير، تعرضت المملكة العربية السعودية لسلسلة من الاستهدافات وعمليات القصف الجوي التي شنتها جماعة الحوثي اليمنية. وبحسب التقارير الميدانية وما نقلته شبكة "بي بي سي" (BBC) من صور جوية وتقارير، فقد أسفرت هذه الهجمات عن إصابة 17 مدنياً، إلى جانب تضرر عدد من الأعيان والمنشآت النفطية والمدنية الحيوية.
وتُظهر صور الأقمار الصناعية تعرض خط أنابيب نفط رئيسي في المملكة العربية السعودية لأضرار بالغة جراء هجوم وقع الأسبوع الماضي، وهي أضرار قد يستغرق إصلاحها أكثر من شهر مما قد يدفع أسعار النفط إلى مزيد من الارتفاع. حيث يتركز الجزء الأكبر من الأضرار في محطة ضخ تابعة لخط أنابيب "الشرق-الغرب"، وهو الخط الذي تزايد اعتماد السعودية عليه لتصدير النفط الخام عبر البحر الأحمر بدلاً من مضيق هرمز. كما أظهرت الصور أضراراً لحقت بقاعدة الملك خالد الجوية السعودية بعد هجوم شنه الحوثيون الأسبوع الماضي.
وقد اتهمت الحكومة السعودية ميليشيات مدعومة من إيران في العراق بالمسؤولية عن الهجوم، الذي جاء عقب أيام من تجدد الهجمات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة التي شنتها جماعة الحوثي اليمنية -المدعومة أيضاً من إيران- على جنوب غرب المملكة.
وكان الحوثيون قد سيطروا الأسبوع الماضي على مساحات واسعة وجديدة من الأراضي على طول الساحل الجنوبي الغربي لليمن، بما في ذلك مناطق تطل على مضيق باب المندب الحيوي، مما عزز قدرتها على فرض الحصار الذي أعلنت عنه على حركة الشحن السعودية.
وبحسب خبراء، فإن هذا التصعيد لا يمثل مجرد خرق أمني محلي، بل هو استهداف مباشر لأمن المنطقة وسلامة سكانها، وضربة لعصب الاقتصاد السعودي والعالمي على حد سواء. استهداف المنشآت النفطية في هذا التوقيت الحساس يلقي بظلاله القاتمة على أسواق الطاقة العالمية، مهدداً برفع أسعار النفط وزيادة معدلات التضخم العالمي، في وقت يعاني فيه الاقتصاد الدولي من أزمات متلاحقة. ورغم فداحة هذا الضرر الذي يمس أمن الطاقة العالمي، غاب الموقف الأمريكي الحازم الذي طالما تعهد بحماية حلفائه ومصالح واشنطن الاستراتيجية في الخليج.
 
"فيتو" ترامب يثير الشكوك
في مفارقة عجيبة، وبينما تخوض واشنطن وتل أبيب حرباً شرسة ضد طهران بحجة تقليم أظافرها في المنطقة، كشفت تقارير استخباراتية وصحفية عن موقف أمريكي صادم تجاه أمن الخليج. فقد أفاد موقع "أكسيوس" الإخباري الأمريكي، ونقلته شبكة "فرانس 24" في الحادي عشر من سبتمبر الجاري، أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب رفض طلباً مباشراً من ولي العهد السعودي، الأمير محمد بن سلمان، لتنفيذ ضربات عسكرية أمريكية ضد الحوثيين في اليمن رداً على هجماتهم الأخيرة.
هذا الرفض الرئاسي الأمريكي لردع ذراع طهران في اليمن، بالتزامن مع الحرب المعلنة على إيران نفسها، يطرح تساؤلات جدية ومقلقة حول الطبيعة الحقيقية للموقف الأمريكي من الضرر الأمني والاقتصادي البالغ الذي يلحق بدول الخليج.
 
ضوء أخضر أمريكي وابتزاز سياسي
في السياق ذاته، فإن هذه "الازدواجية" في التعاطي الأمريكي لا تبدو، في نظر المحللين، مجرد صدفة أو حسابات عسكرية تكتيكية. وفي هذا السياق، يرى الباحث في الشؤون الخليجية، محمد عبد السلام القلاطي، أن مجريات الأحداث الحالية تضع علامة استفهام كبيرة حول نوايا واشنطن.
ويشير القلاطي إلى أن "السلبية الأمريكية" ورفض شن هجمات رادعة ضد الحوثيين يرجح فرضية خطيرة مفادها أن الأمريكيين إما "داعمون صامتون" لما يجري، أو على الأقل أعطوا "ضوءاً أخضر" خفياً بالسماح بحدوث هذه الهجمات.
الهدف الاستراتيجي من ذلك، وفقاً للباحث، هو إضعاف دول مجلس التعاون الخليجي، وفي مقدمتها السعودية، لمصلحة التفوق الإسرائيلي المطلق، وهو سيناريو مشابه لما طال دولاً أخرى في المنطقة تم تدمير مقدراتها.
ويربط القلاطي هذا الموقف الأمريكي المتخاذل بالموقف السياسي السيادي للسعودية، إذ لا تزال الرياض ترفض حتى اللحظة الرضوخ للضغوط وتوقيع ما يُعرف بـ "الاتفاقيات الإبراهيمية" (التطبيع) مع إسرائيل، دون تحقيق مكاسب حقيقية للقضية الفلسطينية، مما يجعل المملكة عرضة لضغوط غير مباشرة عبر البوابة اليمنية.
 
استنزاف مالي وتطويع اقتصادي
لا تقف التحليلات عند حدود الضغط السياسي، بل تتعداه إلى أبعاد اقتصادية أعمق. يذهب العديد من الخبراء والمراقبين الاستراتيجيين إلى أبعد من ذلك، معتبرين أن أحد الأهداف غير المعلنة للحرب الأمريكية الموجهة ضد إيران هو في واقع الأمر "إضعاف دول الخليج" نفسها.
فترك دول الخليج مكشوفة أمام ضربات حلفاء طهران، يضع هذه الدول تحت ضغط اقتصادي هائل، ويستنزف مواردها المالية في صفقات تسليح ودفاع مستمرة لا توفر الحماية المطلوبة. هذا الواقع، بحسب المراقبين، يصب في خانة "الابتزاز المالي والاقتصادي" لصالح المجمع الصناعي العسكري الأمريكي، ويحقق هدفاً مزدوجاً للولايات المتحدة وإسرائيل: إضعاف الخصم الإيراني، وتطويع واستنزاف الحليف الخليجي في آن واحد.
إن المشهد الأمني في المملكة العربية السعودية اليوم، في ظل تصاعد دخان الحرائق في المنشآت النفطية وغياب المظلة الأمنية الأمريكية، يكشف عن تحول جذري في قواعد اللعبة الشرق أوسطية. لم تعد التحالفات التقليدية ضمانة للأمن، بل يبدو أن واشنطن تستخدم "الفوضى المنضبطة" كأداة لإعادة تشكيل المنطقة سياسياً واقتصادياً بما يخدم مصالحها ومصالح إسرائيل الحصرية، تاركة حلفاءها التاريخيين يدفعون ثمن حروبها، وثمن استقلاليتهم في قراراتهم السيادية.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z