العالم في قبضة رجل واحد

 

 

 

خالد بن سالم الغساني

في التاريخ الحديث للرئاسة لا يمكن إيجاد رئيس في أي بقعة من العالم، أثار هذا القدر من الفوضى والاضطراب وعدم اليقين، مثلما فعل دونالد ترامب. والمشكلة ليست في عدوانيته وخشونة لغته أو غرابة تصريحاته واستهزاءه أو سرعة انتقاله من موقف إلى نقيضه، وإنما في أن الرجل الذي يصدر هذه التهديدات ويستخف بالقوانين والأعراف يقف على رأس الدولة الأكثر قوة وتأثيرًا في النظام الدولي.

فماذا يحدث للعالم عندما ترتبط سياسة الدولة العظمى إلى هذا الحد بشخص رئيسها وطريقته في فهم القوة والتحالف والمصلحة؟ وماذا يبقى من القواعد التي حكمت العلاقات الدولية إذا أصبح الحليف غير واثق من حليفه، والخصم لا يعرف حدود المواجهة معه، والدول الصغيرة لا تعرف إن كانت ستواجه حصارًا اقتصاديًا أم عقوبات أم مطالبة بأرض أم تهديدًا باستخدام القوة؟

تكمن الظاهرة الأهم في رئاسة ترامب في تحويل عدم القدرة على التنبؤ إلى أداة من أدوات السياسة.

وما يبدو غرابة في تصريحاته يكشف، عند جمع الوقائع، عن تصور للعالم تبدو فيه الحدود والأسماء والتحالفات وسيادة الدول لا معنى لها.

في اليوم الأول من ولايته الثانية أصدر أمرًا تنفيذيًا باعتماد اسم «خليج أمريكا» بدلًا من خليج المكسيك في الاستخدامات الرسمية الأمريكية، رغم أن الخليج مسطح مائي تتصل به المكسيك وكوبا أيضًا.

وانتقل من الأسماء إلى الأرض؛ فجرينلاند، الجزيرة التابعة لمملكة الدنمارك، تحولت من منطقة ذات أهمية استراتيجية للولايات المتحدة إلى أرض يريد امتلاكها، مع أن الدنمارك حليف وعضو مؤسس في حلف شمال الأطلسي. وجاءت كندا، الحليف التاريخي والشريك الاقتصادي والأمني، ليكرر الحديث عنها باعتبارها مرشحة لأن تصبح «الولاية الحادية والخمسين».

هذه الوقائع، على اختلافها، تكشف تصورًا واحدًا: أن القوة تمنح صاحبها حقًا أوسع في إعادة تعريف الممكن.

ولا ينظر ترامب إلى العلاقات الدولية بالطريقة التقليدية التي حكمت السياسة الأمريكية منذ الحرب العالمية الثانية. لأن مفهوم التحالف عنده أقرب إلى صفقة ينبغي أن تثبت فائدتها باستمرار. والحليف الذي لا يدفع ما يكفي يمكن ببساطة توبيخه، والدولة التي لا تستجيب يمكن بنفس البساطة تهديدها، والعلاقات التاريخية والاستراتيجية يمكن اختزالها في سؤال، ماذا تدفعون، وماذا تحصل أمريكا منكم ومن علاقتها هذه معكم؟

بهذا المنطق تعامل ترامب مع حلف شمال الأطلسي؛ حيث ضغط على الأوروبيين لزيادة إنفاقهم الدفاعي، وشكك في عدالة أن تتحمل الولايات المتحدة العبء الأكبر في حمايتهم. ونجح الضغط في دفع أوروبا إلى زيادة إنفاقها العسكري، لكن الثمن كان إثارة الشك في ثبات الضمان الأمني الأمريكي نفسه.

ومع أوروبا امتدت المواجهة إلى الاقتصاد والرسوم الجمركية. أما كندا، أحد أكثر حلفاء الولايات المتحدة استقرارًا، فلم تسلم من الرسوم والتهديدات والحديث عن ضمها.

قد يقال إن ترامب يمزح، لكن الدول لا تستطيع بناء أمنها القومي على افتراض أن رئيس الولايات المتحدة رجل مزّاح. والمفارقة أن لغته مع بعض خصوم أمريكا تبدو أحيانًا أقل خشونة من لغته مع حلفائها.

فعلاقته بفلاديمير بوتين ظلت مزيجًا من الإعجاب والتهديد والرغبة في عقد صفقة تنهي حرب أوكرانيا. ووعد بإنهائها سريعًا، ثم اصطدم بتعقيدها. وقام بالضغط على الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، واقترب من موسكو، لكنها سريعاً ما تبدلت مواقفه مع تغير مسار الحرب.

ومع الصين يتكرر النمط بصورة أخرى: تهديدات ورسوم ومواجهة اقتصادية، تتخللها إشادات بعلاقته الشخصية مع الرئيس شي جين بينغ.

وتكشف الحالتان سمة أساسية في سياسة ترامب: شخصنة العلاقات بين الدول، حتى يبدو أحيانًا أن علاقته بالدولة تمر عبر تقييمه الشخصي للرجل الذي يحكمها.

أما إيران، فقد نقلت المسألة من الضغط والتهديد إلى الحرب.

وبعد أشهر من المواجهة ظهرت مجددًا الحقيقة التي عرفتها القوى الكبرى مرارًا: القدرة على بدء الحرب لا تعني القدرة على تحديد نهايتها. تستطيع القوة العسكرية تدمير منشأة أو تعطيل قدرة عسكرية، لكنها لا تستطيع دائمًا صناعة النتيجة السياسية المطلوبة. وهو درس عرفته الولايات المتحدة في فيتنام وأفغانستان والعراق.

ومن قلب المواجهة مع إيران جاءت عُمان لتقدم واحدًا من أكثر الأمثلة إثارة للقلق؛ فعُمان التي حافظت طوال عقود على علاقاتها بالولايات المتحدة وإيران ودول الخليج، وأدت دور الوسيط في أكثر ملفات المنطقة حساسية، وجدت نفسها أمام تهديد أمريكي مباشر في سياق المفاوضات المتعلقة بإيران ومضيق هرمز. والدلالة هنا أن عُمان ليست خصمًا للولايات المتحدة، بل دولة صديقة احتاجت واشنطن نفسها إلى وساطتها مرارًا. فإذا كان الوسيط يمكن أن يتحول، في لحظة اختلاف، إلى هدف للتهديد، فما المساحة المتبقية للدول الصغيرة والمتوسطة كي تمارس سياسة خارجية مستقلة؟

ويصل التناقض هنا إلى صورته الأوضح، وهي أن واشنطن من خلال رئيسها تحتاج إلى الوسيط، لكنها تريده أن يتصرف كوكيل.

وقبل ذلك امتدت لغة ترامب إلى مضيق هرمز نفسه، الممر المائي الواقع بين إيران وعُمان وعلى بعد آلاف الكيلومترات من الولايات المتحدة، في عودة أخرى إلى الجغرافيا التي بدأ منها: من «خليج أمريكا» إلى جرينلاند وكندا ومضيق هرمز، ويعلن أن مضيق هرمز أصبح مضيق ترامب. تتفاوت الحالات، لكن الذهنية واحدة؛ المسافة لا تمنع المطالبة، وسيادة الآخرين لا تمنع التهديد إذا اعتقدت القوة الكبرى أن مصالحها تبرر ذلك.

وفي الخليج تظهر صورة المال؛ حيث لم يخف ترامب نظرته التجارية إلى العلاقات الخليجية؛ ففي جولته عام 2025 احتلت أرقام الاستثمارات والصفقات مساحة مركزية في خطابه، وتحدث عن تريليونات الدولارات من الاتفاقات والتعهدات.

ليس في المصالح الاقتصادية بين الولايات المتحدة ودول الخليج ما يثير الاعتراض. المشكلة في اختزال قيمة الحليف في مقدار ما يدفعه ويستثمره ويشتريه.

دول الخليج ليست خزائن للاقتصاد الأمريكي ولا هي أسواق للسلاح. لها أمنها ومصالحها وحساباتها، وقد تتفق مع واشنطن في ملفات وتختلف معها في أخرى.

وقد يحصل ترامب من الحلفاء على أموال أكثر، لكنه قد يترك لهم ثقة أقل.

وفي أفريقيا تكررت سياسة الضغط بأداة الرسوم الجمركية، التي طالت دولًا عديدة ودفعت بعضها إلى البحث عن أسواق وشراكات بديلة. وهكذا يدخل الحليف والشريك والخصم إلى دائرة واحدة، وإن اختلفت أدوات الضغط: رسوم، عقوبات، وقف مساعدات، تهديد بسحب الحماية، أو تهديد بالقوة.

ولا تنفصل هذه الطريقة في التعامل مع العالم عن تصور ترامب للسلطة داخل الولايات المتحدة.

ومنذ عودته إلى البيت الأبيض توسع في استخدام الأوامر التنفيذية، ودخل في صدامات مع مؤسسات اتحادية ومحاكم وجامعات ووسائل إعلام، ودفع بحدود السلطة الرئاسية إلى مواجهة سياسية ودستورية واسعة.

ثم تأتي تصريحاته المتلاحقة والمتناقضة لتضيف إلى ذلك كله حالة دائمة من عدم اليقين. يهدد ثم يتراجع، ويمدح ثم يهين. ويعلن قرب اتفاق ثم يبتعد عنه. يتحدث عن السلام ويهدد بالحرب. يطالب الحلفاء بالثقة في أمريكا ثم يمنحهم أسبابًا للشك فيها. يهاجم خصومه ثم يمتدح قادتهم. حتى يبدو أحيانًا كأنه مجموعة أشخاص في رجل واحد، ولا يعرف العالم أيهم سيظهر في اليوم التالي.

لكن، ومن ناحية أخرى، ربما يكون من الخطأ اعتبار ذلك كله ارتجالًا؛ فثمة منطق خلف قدر كبير من هذه التناقضات. ترامب يؤمن بأن عدم القدرة على توقع خطوته يمنحه قوة تفاوضية: الخصم الذي لا يعرف ماذا ستفعل يحسب لك حسابًا أكبر، والحليف الذي يشك في استمرار حمايتك قد يقدم لك المزيد، ورفع المطالب إلى أقصاها قد ينتهي بالحصول على أكثر مما كان ممكنًا في البداية.

إنها طريقة نقلها من عالم العقارات والأعمال إلى السياسة الدولية. وقد تنجح أحيانًا. لكن العالم ليس شركة عقارية. والحدود ليست عقارًا معروضًا للبيع، والدول ليست شركات تابعة، والحروب لا يستطيع صاحب الصفقة دائمًا مغادرة طاولتها.

ومع ذلك، سيكون من الخطأ تصوير الولايات المتحدة قبل ترامب باعتبارها دولة احترمت دائمًا القانون الدولي وسيادة الدول. فقد خاضت حروبًا، وتدخلت في دول، وأسقطت حكومات، ودعمت انقلابات، وانتهكت قواعد دولية عندما رأت أنها تتعارض مع مصالحها.

الجديد مع ترامب شيء آخر. وهو إنه لا يشعر دائمًا بالحاجة إلى تغليف القوة باللغة التي اعتادتها الدبلوماسية الأمريكية.

ما كانت إدارات سابقة تبحث له عن مبررات قانونية أو أخلاقية أو استراتيجية، يستطيع ترامب قوله مباشرة: نريد هذه الأرض لأنها مهمة لنا، ادفعوا أكثر إذا أردتم حمايتنا، سنفرض الرسوم إذا لم تفعلوا ما نريد، وسنستخدم القوة إذا رأينا ذلك ضروريًا.

إنه لا يخترع القوة الأمريكية؛ إنه يجردها من جانب من لغتها التقليدية. وهنا يكمن الخطر الأبعد. فإذا أصبح من حق الدولة الكبرى أن تطالب بأرض لأنها تحتاج إليها استراتيجيًا، فبأي حجة يمكن منع روسيا من استخدام المنطق نفسه؟

وإذا كانت القوة والأهمية الأمنية تبرران الضغط على الآخرين، فما الذي يمنع الصين من استخدام المنطق ذاته تجاه تايوان وبحر الصين الجنوبي؟ وإذا أمكن تهديد دولة صديقة لأنها تتخذ موقفًا لا يوافق رغبة الدولة الأقوى، فما معنى استقلال الدول الصغيرة في سياستها الخارجية؟

المشكلة ليست أن الدول ستقلد ترامب حرفيًا، بل أنها قد تتعلم منه أن القواعد ليست ثابتة، وأن القوة تستطيع توسيع حدود المسموح. وعندئذ يعيد الحلفاء حساباتهم، وتتسع سباقات التسلح، وتبحث الدول عن تحالفات ووسائل ردع جديدة، وتجد القوى الإقليمية في سلوك الدولة الأعظم مبررًا لممارسة الضغط نفسه على جيرانها الأصغر.

وهكذا لا ينهار النظام الدولي في يوم واحد. إنه يتآكل، قاعدة بعد أخرى، وثقة بعد أخرى، وتحالفًا بعد آخر، وخطًا أحمر بعد آخر. وسيأتي يوم يغادر فيه دونالد ترامب البيت الأبيض، كما غادر كل رئيس سبقه.

لكن السؤال ليس ما إذا كان ترامب سيبقى. السؤال هو، ماذا سيبقى من ترامب بعد رحيله؟ هل تنسى الدول أن رئيسًا أمريكيًا هدد حلفاءه، وطالب بأراضيهم، وتحدث عن ضم دول مستقلة، وأعاد تسمية مساحات جغرافية، وتعامل مع التحالفات كفواتير والسيادة باعتبارها أحيانًا أقل أهمية من إرادة الأقوى؟ وهل تنسى روسيا والصين والقوى الإقليمية هذه السوابق عندما تبحث يومًا عن مبررات لما تريد؟

الخطر ليس أن يطلق ترامب غدًا تهديدًا جديدًا، الخطر أن يعتاد العالم التهديد. أن تصبح المطالبة بأرض الآخرين قابلة للنقاش، والحليف طرفًا في صفقة، والحدود قابلة لإعادة التعريف، والقانون صالحًا فقط ما دام لا يقف في طريق الأقوى. عندها سيكون السؤال الذي يحكم العلاقات بين الدول، هو من يستطيع أن يمنعني؟

وقد يكون بعد ذلك، أن أخطر ما يتركه دونالد ترامب من ورائه، هو ليس حربًا أو رسمًا جمركيًا أو اسمًا جديدًا على خريطة، بل عالمًا يتعلم أن القوة تستطيع أن تعيد تعريف ما هو مقبول، وأن من يملك منها ما يكفي يستطيع أن يطالب بإعادة كتابة الخريطة.

الأكثر قراءة

z