حسين الراوي
ليس كلُّ كاتبٍ يُقرأ، ولا كلُّ أدبٍ يُطرب، فبعضُ النصوص لا تفتح أبوابها إلا لأولئك الذين يملكون مفاتيح الإنصات العميق، أولئك الذين لا يكتفون بسطح المعنى، بل ينزلون إلى أعماقه الخفية حيث تتشكل الفكرة وتنبض الروح. هناك، فقط، يبدأ الأدب الحقيقي.
«السمّيعة الثقال» في اللهجة المصرية هم نخبة العارفين بأسرار الغناء الشرقي، والواحد منهم يمتلك أذناً موسيقية ثاقبة، وتمييزاً دقيقاً للمقامات والانتقالات والارتجال الموسيقي، وكان يحسب لهم كبار المطربين ألف حساب، مثل: أم كلثوم وعبد الوهاب وصالح عبد الحي وعبد المطلب وكارم محمود. لذا كان كبار المطربين المصريين في ذلك الوقت يستعينون بالسميعة الثقال في معظم الأحيان، من أجل استشارتهم في سماع الأغنية قبل أن تُعرض على الجمهور، لكي يُعطوا ملاحظاتهم وتوجيهاتهم للمطربين، فيساهمون في نجاح الأغنية، فيكونون سبباً في السلطنة الموسيقية للجمهور داخل المسرح، ويكونون سبباً أولياً في صيحات الجمهور الاستحسانية: آآآه، عظمة على عظمة، الله الله الله.
وشخصية هذا المقال هو الأديب سعيد بن عبد الله الدارودي، الذي له أيضاً «سميعة ثقال»، يحبون فنه ويُقدّرون أدبه، ويطربون لكتاباته.
قبل أن أعرف الأستاذ سعيد عن قرب، كنت أقرأه كمن يستمع إلى لحنٍ رائعٍ بعيدٍ لا يعرف مصدره، لكنه يشعر بصداه في داخله.
كانت نصوصه التي يكتبها مختلفة، لا تطلب من “حيّ الله” قارئٍ قراءتها، بل كانت نصوصه هي من تنتقي القُرّاء لها.
ومع الوقت أدركت أن الاقتراب من هذا النوع المميز من الأشخاص ليس أمراً عابراً، بل يحتاج إلى صبرٍ وشيءٍ من الحيلة.. أي والله “حيلة”، فكان لا بد من حيلة “طبق فول”!
قبل أن نكون أصدقاء، أنا والأستاذ سعيد، كنت أود الاقتراب أكثر منه، لكن طبعه الاجتماعي كان قليل الاختلاط بالناس إلا بقدر يسير، وكانت من صفاته أنه يحب العزلة، لأنه يرى فيها راحته النفسية والفكرية، ويجد في ذلك صفاء التفكير، والقدرة على التأليف، والوقت الوفير غير المهدر.
لكني تعمدت وأصررت أن أكون صديقاً لسعيد، الأمر الذي يحتاج مني إلى التخطيط والتفكير لذلك!
ورغم أن علاقتي كانت صغيرة وشبه سطحية معه، إلا أنني قبل أن آتي إلى صلالة في إحدى السفرات، تواصلت مع سعيد، وأخبرته بأني سوف أكون متواجداً في صلالة بعد أربعة أيام، وأني أود الالتقاء به. فرحب بي كثيراً، وقال إنه سوف ينتظرني في المطار، لكني شكرته وطلبت منه عدم الإتيان إلى المطار، لأني اعتدت منذ سنوات أن أقوم بتأجير سيارة من هناك، ولا أود أن أُشغله وأُثقل عليه.
وطلبت من سعيد، بعد أن أقوم بإنهاء إجراءات القدوم في مطار صلالة، أن نلتقي في “مقهى لفته”، حيث أسكن في منتجع البلازا، وأني بعد ذلك أريد منه أن يصطحبني إلى أي مطعم يُقدم طبق فول لذيذ.
وعلى الفور قال الأستاذ سعيد متعجباً: فول؟! ماذا قلت؟! فول؟! يا أخي، أنت عندي تستحق أكبر وأكثر من ذبيحة!
فقلت: إني أعرف محبتي في قلبك، وأعرف أنك رجل كريم، ومن عائلة اشتهرت بالكرم والسخاء، لكني لا أريد إلا طبق فول لا أكثر، وأن هذه هي رغبتي، وأني شخص قليل الأكل، ولا يهمني سواء أكلت كافياراً أو خبزة وجبنة فقط. وشكراً يا أستاذ سعيد على تقديرك لي، ووالله معنوياً كأني أكلت الآن من ذبيحتك، لكني ما زلت مُصراً على طبق الفول.
حينها تفهم الأستاذ سعيد رغبتي، واستسلم روحياً وفكرياً للأمر، وهنا كانت بدايات نجاح الخطة!
وفي يوم الوصول إلى صلالة، اتصلت بسعيد، وأخبرته أني موجود في مقهى لفته، وما هي إلا دقائق قصيرة حتى كنا سوياً في سيارته، نبحث عن مطعم محترم يقدم لنا طبق فول لذيذ، وكان الوقت حينها تقريباً الساعة الواحدة ظهراً.
ولقد مررنا آنذاك على ثلاثة مطاعم، سألناهم قبل أن ننزل من السيارة عن وجود الفول، فاعتذروا لنا، حيث إنهم يقدمونه فقط في وجبة الإفطار صباحاً.
وعند المطعم الرابع، سألنا موظفهم الذي جاءنا عند السيارة عن وجود الفول، فأجابنا بأنه يتوفر لديهم الفول في ذلك الوقت، ولكن بعد أن جلسنا في المطعم، اعتذروا لنا بسبب نفاد الفول! فطلبنا السمك والروبيان كوجبة غداء.
وبعد أن انتهينا من الغداء، قلت لسعيد: يا بو عبد الله، هذا الغداء غير محسوب أبداً، لأن الاتفاق بيني وبينك كان على طبق فول، ولا شيء غيره. ولقد كان مقصدي من ذلك أن تزداد المعرفة والقرب بيني وبينه. فأجاب سعيد بالقبول والموافقة، وأنه سوف يبحث في وقت لاحق عن مطعم يقدم طبق فول ممتاز.
وفي صباح اليوم التالي، اتصل بي الأستاذ سعيد في الصباح الباكر، وقال لي إنه سوف يمرّني، ثم نذهب سوياً للبحث عن مطعم يقدم الفول. وعندما ركبت معه السيارة، أخبرته بأني قمت بالبحث في برنامج Google Maps عن مطعم يقدم الفول المميز، وإني عثرت على مطعم اسمه “فول الشيخ”، وأن انطباع الناس عن ذلك المطعم جيد، وأن نقاط التقييم للمطعم مرتفعة.
ثم انطلقنا بالفعل إلى ذلك المطعم، فوجدناه يقدم عدة أنواع من الفول اللذيذ. وبعد أن تناولنا وجبة الإفطار هناك، قمت بتغافل الأستاذ سعيد، وأسرعت لدفع فاتورة المطعم من دون أن يشعر! وهذا من أجل أن تطول حكاية طبق الفول بيني وبينه، ويستمر القرب منه والتعرف عليه أكثر.
لكن الأستاذ سعيد، لما علم أني دفعت الفاتورة، غضب وطلب مني ألا أكرر مثل هذا الأمر مرة أخرى، لأنه هو صاحب الدعوة.
وفي اليوم التالي صباحاً، اتصلت بالأستاذ سعيد وطلبت منه أن يرسل لي الموقع الإلكتروني حيث يسكن، وإني سوف أكون أمام المنزل أنا وصديقي الذي معي مسافة السكة، وأن عليه الاستعداد لذلك حتى نذهب ثلاثتنا لتناول الإفطار في مطعم فول الشيخ الذي أعجبنا فوله.
ولقد كنت قد اتفقت مسبقاً مع الصديق الذي كان برفقتي أن يقوم هو بدفع فاتورة الإفطار من دون أن يشعر الأستاذ سعيد بذلك! وهذا أيضاً من أجل أن تطول حكاية طبق الفول مدة أطول، وأستمتع مع الأستاذ سعيد، وأعرفه بشكل أكثر.
وبالفعل استطاع ذلك الصديق أن يتسلل إلى كاشير المطعم ويقوم خلسة بدفع الفاتورة، حيث كان تركيز الأستاذ سعيد كله منصباً على مراقبتي أنا، خشية أن أدفع الفاتورة، ولم يكن يعلم عن تلك الخطة التي أبرمتها مع ذلك الصديق!
وبعد أن انتهينا من تناول الإفطار، طلب الأستاذ سعيد من النادل الفاتورة، فأخبره بأن الفاتورة قد تم دفعها! فالتفت إليّ سعيد وقال غاضباً: لماذا دفعت الفاتورة؟! فقلت له بلسان البريء الماكر: أنا لم أدفع الفاتورة، ولا أعلم شيئاً عن ذلك.
وعلى الفور قال ذلك الصديق إنه هو من دفع الفاتورة، وأنه لا يعلم عن أي اتفاقات مسبقة بيني وبين سعيد!
وهكذا انطلت الحيلة على سعيد الدارودي، وطالت حكاية طبق الفول معه!
ولقد أصبحت أنا والأستاذ سعيد في تلك الفترة صديقين قريبين من بعضنا، حيث تعرفت عليه عن قرب، وكانت بيننا جلسات فكرية وحوارية كثيرة.
وفي يوم رحلة العودة إلى الكويت، وقبل أن أذهب إلى المطار تقريباً بثلاث ساعات، اتصل بي سعيد، وأخبرني بأنه قادم إليّ ومعه ثلاثة أنواع من الفول!
وبالفعل جلسنا سوياً مع صديق ثالث في حديقة البلازا، وفرشنا سفرة الطعام على الطاولة، وبدأنا بالأكل. حينها كنت أقول في نفسي: “لقد حاصرني سعيد الآن في هذه الحركة! إنه يريد لحكاية طبق الفول أن تنتهي، وأنا أريدها أن تستمر، فكيف أخرج من هذا الحصار؟!”.
وفجأة سألني سعيد: هل الآن وفيت بوعدي معك فيما يخص طبق الفول الذي اتفقنا عليه؟ فأجبته: لا، إن الفول ناقص! فسألني متعجباً: وما الذي ينقصه؟! فقلت: إن الخبز بارد، وأنا لا أحب الخبز إلا ساخناً، وإننا في جميع تلك المرات السابقة التي تناولنا فيها الفول، كان الخبز ساخناً!
فهز سعيد رأسه باستحياء، وقال: نعم، هذا صحيح، أنت محق.
بعد ذلك أوصلني الأستاذ سعيد إلى المطار مع ذلك الصديق، وودعاني بمحبة كبيرة.
هكذا كان سعيد… لا يُختصر في كتاب، ولا يُفهم من لقاء، ولا يُدرك من قراءة عابرة. هو من أولئك الذين يشبهون النصوص العميقة؛ كلما اقتربت منهم، اكتشفت أنك لم تصل بعد.
سعيد بن عبد الله الدارودي، الباحث العماني الظفاري، لا يكتب ليُعجب الجميع، بل ليصل إلى أولئك الذين يملكون حسّ التمييز، أولئك «السميعة الثقال» في الأدب. وهو في إنسانيته أكثر صفاءً من أي تعريف يمكن أن يُكتب عنه، إنه واضح، صلب، صادق، لا يرتدي وجوهاً، ولا يُجامل على حساب قناعاته.
وربما، في نهاية الأمر، لم تكن حكاية «طبق الفول» سوى ذريعةٍ لطيفة للاقتراب من روحٍ نادرة… فبعض العلاقات لا تبدأ بالكلمات الكبيرة، بل بتفاصيل صغيرة، لكنها صادقة، حتى تتحول مع الزمن إلى معنى لا يُشترى، ولا يُختصر.
أنا من عشاق الفول، وازدادت محبتي للفول أكثر بعدما خدمني في الوصول إلى سعيد الدارودي.
