"المناعة الفكرية وفِعل الطاقة الحيوية"
حمد الناصري
إنّ الانعتاق من أسر التعطيل وعثرات التكديس، لا يتأتى بمجرد الأماني، بل بإنبات حصانة روحية وفكرية تمنع ارتداد النفس إلى الوراء؛ وهي القوة الاستراتيجية التي تُعيد توجيه الطاقات المحبوسة من ركود الانكفاء إلى ميادين الإنتاج الفعلي. وحين تبلغ المجتمعات ذروة وعيها، تُدرك أن الأوهام ومخاوف الإخفاق ما هي إلا قشور خارجية تذوب فوراً أمام أول بادرة استجابة حركية واعية؛ حيث يتحول الوعي النقي من تجريد سكونه إلى فيزيائية حركية، تتمازج مع الواقع المادي، لتفتيت جرثومة الفشل، ونفض أثر التردد، واستعادة ملكات الأمة الكامنة التي ترفض الانكسار وتصنع هيبة البقاء.
وإذ يمتد هذا الوعي ليستقر في جوهر النفس بمفهومها الإنساني والعملي المترابط، يتكشّف للتحليل العقلي البصير كيف تشترك العزيمة الحية في صِياغة قوة الإرادة التي تدافع عن طاقات الإنسان الكامنة؛ فالبيئة النفسية المحاطة باليقين تمنح الفرد طابعاً سلوكياً ينعكس على إنتاجه الفعلي، إذ تصُون المناعة الفكرية عادات العمل الإيجابي وتمتاز بالصلابة في مواجهة عثرات التكديس والركود. هذا التميز الفطري المُشترك يمثل الحصن الحصين الذي يُبقي قوى الذات نابضة بالحياة، حيث تتحرك البنية الحيوية بمرونة لتطويع طاقة الفعل بما يُلائم واقع الاستقرار، مُشَكّلة بذلك خط دفاع فِطري يَحمي الوعي من الذوبان والاندثار أمام الواقع المشهود.
وهذا التلازم بين الوعي الباطني والإنتاج المادي يجد مُستقره الأسمى في المرجعية النبوية الشريفة؛ حيث يضع الرسول الأكرم محمد صلى الله عليه وآله وسلم حجر الأساس للمناعة الفكرية والحركية في قوله: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كُلٍّ خيرٌ، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز". فالحديث الشريف يُمثل قانوناً إيجابياً يبدأ باستنهاض القوة، ويتأسس بالحرص الحركي على المنفعة الواقعية، وينتهي بقطع دابر "العجز" الذي هو البيئة الخصبة لنشوء الجرثومة الخفية المُعطلة للطاقات.
إنّ هذا التحَوّل من تجريد السكون إلى طاقة الفِعل هو ما يُعاد إنتاجه رمزياً في مُتخيل رواية "أوجاع قرية البحر" ورواية "الوادي الصغير" للكاتب حمد الناصري، والمنشورة في أجزاء أدبية مُمتدة عبر جريدة الرؤية العُمانية؛ فلو أنّ تلك النفوس المُتعبة انعتقت من أسر ضَلال الفجيعة والصدمة الحسية، وتحررت من قيود السجال اللفظي العقيم واقتسام الأوهام، ما استبَدّت بها غشاوة العجز، ولأثمرت قُواها المحبوسة بحركة تُبدد قهر الجرّافة وتصُون نِعمة الماء؛ فالواقع لا يتغيّر باجترار الندم فوق الأنقاض، بل بالنهوض والعزم الذي يُحَوّل انكسار الذات إلى قوةٍ مادية تُذيب عثرات التردد، وتَطْلق فِعل الطاقة الحيوية في واجهتها التصويبية.
خُلاصة القول: إنّ المناعة الفكرية هي الدرع الحقيقي الواقي من وباء التعطيل والركود؛ وتحرير طاقات الإنسان الكامنة لا يتمّ بالهروب نحو سراب المُقتنيات، ولا بالاستسلام لجرثومة اللوم وجلد الذات، بل بصناعة "العزم الحي" والتوكل الفاعل الذي يربط حركة الجوارح بنقاء اليقين. وبهذا الترابط الحِسي المُستنير، تنعتق القدرات من عِقالها المادي لترسم واقع النهوض، وتصنع هيبة الفِعل الحقيقي المترجم إلى نجاح مُستمر لا ينكسر.
