الصينيون.. أخلاق راسخة واحترام عابر الثقافات

 

علياء بنت ناصر العبرية

حين يلتقي الإنسان بثقافة مختلفة، فإن أول ما يترك أثرًا في نفسه ليس المباني ولا التطور الاقتصادي ولا مظاهر الحداثة، وإنما أخلاق الناس وطريقة تعاملهم مع الآخر. ومن هذا المنطلق، فإن من أبرز الانطباعات التي يمكن أن يخرج بها الزائر العربي والخليجي من الصين، ذلك الاحترام الذي يلمسه في تعامل الشعب الصيني مع الجاليات العربية والخليجية، وما يرافقه من أدب وهدوء وتقدير للضيف.

ومن واقع تجربتنا نحن الطلبة العرب والخليجيين في الصين، نلمس يوميًا صورًا جميلة من الاحترام والتعامل الراقي، سواء داخل المؤسسات التعليمية أو في الحياة العامة. فالصينيون ينظرون إلى الطالب الأجنبي باعتباره ضيفًا وشريكًا في المعرفة، ويحرصون على مساعدته وتسهيل اندماجه في البيئة الجديدة، مع احترام خصوصيته وثقافته وعاداته.

ونحن كطلبة نشعر بالفخر والاعتزاز ونحن نمثل أوطاننا في رحاب جامعة Huazhong University of Science and Technology، إحدى المؤسسات الأكاديمية المهمة في الصين. فوجودنا هنا لا يقتصر على التحصيل العلمي واكتساب المعرفة، وإنما يمثل أيضًا مسؤولية وطنية وحضارية، لأننا نحمل معنا صورة أوطاننا وثقافتنا وقيم مجتمعاتنا.

وفي المقابل، نجد من المجتمع الصيني احترامًا وتقديرًا للثقافة العربية والخليجية، وهو ما يجعل تجربة الدراسة في الصين تجربة تتجاوز حدود القاعات الدراسية والمناهج الأكاديمية، لتصبح تجربة إنسانية وثقافية ثرية. فنحن نتعلم من الصين علومها وتجربتها التنموية، وفي الوقت ذاته نعرّف الآخرين بثقافتنا العربية والخليجية وما تتميز به من أصالة وكرم وتسامح.

إن أجمل ما في العلاقات بين الشعوب أنها تبدأ من الإنسان، ومن كلمة طيبة وابتسامة صادقة وحسن تعامل. وهذه القيم الإنسانية قادرة على بناء جسور أقوى من أي اتفاقية، لأنها تخلق فهمًا حقيقيًا بين الثقافات.

كما أن وجود الطلبة العرب والخليجيين في الجامعات الصينية يشكل جسرًا مهمًا للتواصل بين الحضارتين العربية والصينية، ويسهم في صناعة جيل جديد أكثر قدرة على فهم الآخر واحترام اختلافه والاستفادة من تجاربه.

إن الصين بالنسبة لنا ليست مجرد محطة دراسية، بل مدرسة واسعة نتعلم فيها العلم والثقافة والانضباط واحترام العمل والآخر. ونحن إذ نفتخر بوجودنا على أرض الصين، نعتز في الوقت نفسه بتمثيل أوطاننا خير تمثيل، ونسعى لأن نكون سفراء للعلم والأخلاق والتواصل الحضاري.

وفي النهاية، تبقى الأخلاق لغة عالمية لا تحتاج إلى مترجم، ويبقى احترام الإنسان للإنسان هو الأساس الحقيقي لكل علاقة ناجحة بين الشعوب. ومن الصين، نكتشف أن العلم يبني العقول، لكن الأخلاق هي التي تبني الجسور.

تعليق عبر الفيس بوك

الأكثر قراءة

z