هل زاد متوسط الدخل الشهري للأسرة العُمانية؟

 

 

حيدر بن عبدالرضا اللواتي

haiderdawood@hotmail.com

 

يختلف حجم الأسر من حيث عددها وأعمار أفرادها، وعدد المُلتحقين بالأعمال، والتزاماتها المالية، وامتلاكها للسكن، ومستوى تعليم الأبناء، ومكان الإقامة، وكذلك مصادر الدخل الإضافية. وجميع هذه العوامل مهمة عند إجراء المسوحات الاقتصادية والاجتماعية المهمة ومنها مسح دخل وإنفاق الأسرة، الذي يساعد الجهات المعنية على فهم الأوضاع المعيشية للأسر. ومثل هذه المسوح تساعد الجهات المعنية في رسم السياسات الاقتصادية والاجتماعية واتخاذ القرارات التي تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة.

وقبل أيام، أعلن المركز الوطني للإحصاء والمعلومات أن متوسط الدخل الشهري للأسرة العُمانية في عام 2025 بلغ نحو 1,839 ريالًا عُمانيًا، مقارنة بنحو 1,552 ريالًا عُمانيًا في عام 2018؛ أي بزيادة بلغت 18.5%. وفي المقابل، ارتفع متوسط الإنفاق الشهري للأسرة العُمانية إلى نحو 1,058 ريالًا عُمانيًا في عام 2025، مقارنة بـ931 ريالًا عُمانيًا في عام 2018؛ بزيادة قدرها 13.7%.

هذه الأرقام تعطي انطباعًا إيجابيًا بأنَّ نمو متوسط دخل الأسرة العُمانية خلال الفترة المذكورة كان أسرع من نمو متوسط الإنفاق، إلّا أنَّ التعامل مع المتوسطات يحتاج إلى قدر من الحذر، لأن متوسط دخل الأسرة لا يعني بالضرورة أن جميع الأسر تحصل على هذا المستوى من الدخل.

ولكن ماذا تعني لنا تلك الأرقام؟

عند مناقشة القضية عن متوسط الدخل من المنظور الاقتصادي والاجتماعي خصوصًا في دولة مثل سلطنة عُمان، فعلينا أن تعرف بأن دخل الأسرة لا يرتبط فقط بالراتب الشهري، وإنما بعدد أفراد تلك الأسرة، ومصادر دخلها ونمط الإنفاق والادخار لديها، بالإضافة إلى الالتزامات المالية، ومستوى الأسعار والتضخم السنوي لها مقابل الزيادة في الدخل السنوي.

ومسح دخل وإنفاق الأسرة يهدف إلى معرفة عدد من الأمور منها المصادر الرئيسة للدخل كالرواتب، وموارد مالية من الأعمال التجارية والأعمال الحرة، وكذلك بعض الاستثمارات، وما يحصل عليه الشخص من التقاعد لاحقًا. وهناك علاقة مباشرة بين حجم الأسرة ومستوى الدخل والإنفاق، وما يَنتج عن ذلك من الفروق في الدخول والإنفاق بين الأسر والمناطق والفئات المختلفة.

وعلينا أن نعرف أنَّ مُعظم الأسر لديها دخل واحد ربما يكفي جميع أفراد الأسرة أو لا يكفي أبدًا، لأنَّ كفاية الدخل تعتمد على حجم الأسرة وتركيبتها ومستوى الإنفاق؛ فأسرة مكوَّنة من 4 أفراد ويعمل فيها شخصان تختلف اقتصاديًا عن أسرة مكونة من 8 أو 10 أفراد يعتمد معظمهم على دخل شخص واحد. وهنا تظهر أهمية ما يسمى نصيب الفرد من دخل الأسرة، وكذلك نسبة المُعالِين إلى العاملين؛ فإذا ارتفع عدد أفراد الأسرة بينما ظل الدخل ثابتًا، فإن نصيب الفرد من الدخل ينخفض، وقد ترتفع الضغوط المُتعلقة بتوفير الغذاء والسكن المناسب وكذلك التعليم والصحة والاتصالات ومواجهة أعباء المناسبات الاجتماعية، وتغطية الديون إذا كان رب الأسرة لديه قروض من المؤسسات المالية والمصرفية. ولهذا فإنَّ دراسة الأسر الكبيرة مُهمة جدًا عند وضع السياسات الاجتماعية والاقتصادية، ولا يكفي الاعتماد على متوسط دخل الأسرة فقط، لأنَّ المتوسط قد يخفي فروقًا كبيرة بين أسرة صغيرة وأسرة كبيرة.

ونؤكد أن دور الحكومة مهم جدًا في زيادة دخل الأسرة من خلال مساعدة الأشخاص في مواجهة الظروف منها توفير فرص العمل لهم، وهي أهم وسيلة مستدامة لرفع دخل الأسرة وذلك من خلال إيجاد وظيفة منتجة ذات أجور مناسبة، وخاصة للشباب والمرأة وأفراد الأسرة القادرين على العمل.

من جانب آخر، من المهم أن يرفع الشخص العامل إنتاجيته من تلقاء نفسه، لأنَّ زيادة الدخل لا تأتي دائمًا من زيادة الراتب فقط، وإنما تأتي من زيادة مهارات العامل وإنتاجيته، وبالتالي حصوله على وظيفة أفضل أو ترقية أو دخل أعلى، وهنا يتطلب من الحكومة تسهيل حصول أفراد الأسر على الأعمال في مناطقهم بجانب دعم مؤسساتهم الصغيرة والأسر المنتجة من خلال التمويل والتدريب والتسويق في مختلف الصناعات والخدمات المنتجة، وتقليل تكلفة إنشاء وتشغيل هذه المشاريع وتسهيل التراخيص والتمويل والتسويق لهم، بجانب العمل على استقرار الأسعار، وتحسين المنافسة، وحماية المستهلك، لأنها تساعد بصورة غير مباشرة في رفع الدخل الحقيقي للأسرة.

والأسر العُمانية عليها أن تُفعِّل مهاراتها لزيادة دخلها السنوي لتحسين الوضع الاقتصادي والاجتماعي لها، وعدم الاعتماد على راتب واحد، وذلك من خلال بناء مصادر دخل متعددة، وتحويل مهارات أفراد الأسرة إلى دخل جديد من خلال مُمارسة بعض الأعمال المنزلية كالخياطة، والطبخ، والتصميم، والتصوير والبرمجة، والتدريس والتسويق وغيرها من المهارات الأخرى، بجانب الاستفادة من التجارة الإلكترونية لبيع بعض المنتجات عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي.

ومن المهم في هذا الصدد مراجعة المصروفات لتصحيح الوضع المالي للأسر، والتقليل من الديون الاستهلاكية، وعدم التوسع في الاستهلاك؛ الأمر الذي يُساعد على تغيير الوضع الاقتصادي والاجتماعي للأسر وتكاليف معيشتهم ومتطلباتهم للمُستقبل، وهنا نؤكد مرة أخرى أنه لا يمكن تحميل الأسرة وحدها مسؤولية زيادة دخلها؛ فالحكومة لها دور أساسي في خلق البيئة الاقتصادية التي تساعد أفراد الأسرة على زيادة دخولهم.

الأكثر قراءة

z